١خطبة المصنِّف: البسملة والحمدلة والصلاة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَبْتَدِئُ كِتَابِي هَذَا. وَاللهُ اسْمٌ لِلذَّاتِ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ، وَالرَّحْمَنُ أَبْلَغُ مِنَ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ للهِ، هُوَ الثَّنَاءُ عَلَى اللهِ تَعَالَى بِالْجَمِيلِ عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ. رَبِّ، أَيْ مَالِكِ. الْعَالَمِينَ، بِفَتْحِ اللَّامِ، اسْمٌ عَامٌّ لِمَا سِوَى اللهِ، وَالْجَمْعُ خَاصٌّ بِمَنْ يَعْقِلُ. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ — هُوَ بِالْهَمْزِ وَتَرْكِهِ: إِنْسَانٌ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ يَعْمَلُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ، فَإِنْ أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ فَنَبِيٌّ وَرَسُولٌ أَيْضًا — وَعَلَى آلِهِ الطَّاهِرِينَ وَصَحَابَتِهِ أَجْمَعِينَ.
١ — بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
٩:٣١ «بسم الله الرحمن الرحيم» قد بيَّنّاها من قبل وشرحناها، لكن نريد أن نقول: إنه دائمًا يُبدأ بـ«بسم الله الرحمن الرحيم» في كل أمر ذي بال. والحديث في ذلك ضعيف، لكننا نقول: دائمًا يُبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم في كل أمر.
٩:٤٤ لكن هل في كل أمر؟ أم هناك أحكام؟ يعني البداية بـ«بسم الله الرحمن الرحيم» قد تكون واجبة، وقد تكون مستحبة، وقد تكون محرَّمة، وقد تكون مكروهة، وقد تكون خلاف الأَولى. كيف ذلك؟
٩:٥٧ واجبة: لا بدَّ أن تقولها في الصلاة؛ «بسم الله الرحمن الرحيم» آيةٌ من الفاتحة، فلا بدَّ أن تُقرأ، وهذا الوجوب فيها — عند رُكنيَّة قراءة الفاتحة في الصلاة.
١٠:١٦ محرَّمة: يَحرُم أن تقول «بسم الله الرحمن الرحيم» عند القيام بمعصية محرَّمة لذاتها. نعوذ بالله: رجلٌ يشرب الخمر فلا يُسمِّي، يفعل الفاحشة فلا يُسمِّي؛ هذا يَحرُم عليه عند المحرَّم لذاته أن يذكر بسم الله الرحمن الرحيم.
١٠:٣٣ مكروهة: المكروه لذاته في المذهب عندنا — النظر إلى الفَرْج بدون حاجة؛ قالوا عند هذا الأمر لا يُسمِّي على الله عز وجل، أو مكروه، يعني ليس محرَّمًا، هذا حكم الكراهة فيه.
١٠:٥٥ مستحبَّة: في غير ذلك من الأمور أن تبدأ بـ«بسم الله الرحمن الرحيم» — هذا مستحبٌّ في غير الواجب طبعًا، وبعيدًا عن المحرَّم والمكروه؛ يُستحبُّ لك عند فعل شيء أن تبدأ فيه.
١١:٠٨ لكن الإشكال في حُكم البداية بـ«بسم الله الرحمن الرحيم» في سَفاسِف الأمور ومُحقَّراتها. سفاسف الأمور يعني شيء ليس له شأن، ليس له بال؛ مثلًا: تحمل القمامة من الأرض، هذا من محقَّرات الأمور. تحمل بعض الأشياء التي فيها قَذَر، كالزبالات والقمامات وغيرها من الأشياء — هل تُسمِّي وأنت تفعل ذلك؟ بعض العلماء كرهوا أن تُسمِّي الله عز وجل على ذلك، صونًا لذِكر اسم الله أن يقترن بفِعل المُحقَّرات.
١٢:٠٣ ممكن يُشكِل عليك: حتى لو أنت داخل إلى الخلاء، داخل على مُستقذَر، ومع ذلك تقول «بسم الله»! نقول: لا، هذا للحفظ من الشياطين، فهذا أمر آخر غير مسألة الدخول للخلاء؛ لأنه ليس من المحقَّرات، بل هو ذو بال؛ أن تحفظ على نفسك من الشياطين، فتذكر هذا الذِّكر الذي جاء في السنة.
- في الصلاة؛ لأنها آية من الفاتحة والفاتحة ركن
- عند كل أمر ذي بال من المباحات والطاعات
- عند فعل المحرَّم لذاته: شرب الخمر، الفاحشة
- عند المكروه لذاته: النظر إلى الفرج بلا حاجة
- وعند سفاسف الأمور ومحقَّراتها
٢ — تحليل لفظ البسملة
١٢:٤٧ قلنا «بسم الله الرحمن الرحيم»: فيها البَسمَلة. والباء هنا للمُصاحَبة أو للاستعانة على وجه التبرُّك. والاسم: ما دلَّ على مُسمَّى.
١٣:٠٠ وقال «الله» هو لفظ الجلالة. والصحيح عند جمهور أهل العلم أنَّ لفظ الجلالة هو اسم الله الأعظم. وهي مسألة فيها أقوال ممكن تصل إلى اثني عشر قولًا؛ منها مثلًا قول النووي عندنا: إن اسم الله الأعظم «الحي القيوم»، ولكن الراجح عند الجمهور أن اسم الله الأعظم هو «الله»، الذي يحتوي جميع صفات الكمال، وهو الذي تُضاف إليه الأسماء ولا يُضاف هو إلى الأسماء؛ فيقال: اللهُ الرحمنُ، اللهُ الرحيمُ، ولا يقال: الرحمنُ اللهُ.
١٣:٣٧ والرحمن: اسم لله عز وجل فيه صفة الرحمة، وهي صفة ذات، تشمل المؤمن والكافر، وهي أعمُّ من «الرحيم»؛ لأن الرحمن تشمل المؤمن والكافر في الدنيا. والرحيم صفةٌ للرحمة لكنها خاصةٌ بالمؤمنين في الآخرة: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾. فلذلك الرحمن أعمُّ وأشمل من الرحيم. وقالوا: زيادةُ المبنى تفيد زيادةَ المعنى.
١٥:٥٣ ﴿الرحمن﴾ أبلغ من ﴿الرحيم﴾؛ زيادة المبنى في الحروف تفيد زيادة المعنى. وقولنا إن الرحمن رحمةُ الله عز وجل بالمؤمن والكافر في الدنيا: نعم، الكافر يعطيه الله عز وجل الرزق والمال والولد والسُّلطة، لكن هذه في الدنيا، وفي الآخرة ليس له شيء. فإذن الرحمة واسعة لله عز وجل لا تنفكُّ عن ذاته سبحانه وتعالى. أما الرحيم فرحمةٌ خاصة بالمؤمنين، وتكون في الآخرة.
| الاسم | نوع الرحمة | من تشمل؟ | متى؟ |
|---|---|---|---|
| الرَّحْمَن | رحمة عامة | المؤمن والكافر | في الدنيا |
| الرَّحِيم | رحمة خاصة | المؤمنون فقط | في الآخرة |
٣ — «أَبْتَدِئُ كِتَابِي هَذَا»
١٤:٠٧ قال هنا: «بسم الله الرحمن الرحيم أبتدئ كتابي هذا»، وهنا بدأ بالفعل «أبتدئ». وبعض العلماء قالوا: كان الأَولى أن يقول «بسم الله الرحمن الرحيم أُصنِّف» أو «أكتب»؛ لأن «أبتدئ» أعمُّ من «أُصنِّف» أو «أكتب»، والأفضل لغةً أن تُخصِّص ولا تُعمِّم بالفعل. فلذلك — وإن كان هو قال «أبتدئ» — كان الأفضل أن يقول «أُصنِّف» أو «أكتب»، لأن «أبتدئ» أعمُّ من ذلك. لكنه بدأ هنا بالفعل، وهذا الأصل: أن يبدأ الأمرَ بالجملة الفعلية.
١٤:٤١ قال «كتابي هذا» يقصد به المتن الذي سيكون معنا: متن الغاية والتقريب، الذي شرحه الإمام الغزِّي.
١٥:٠٢ ثم قال: «والله اسمٌ للذات الواجب الوجود». و«الله» كما قلنا اسم عَلَم على ذات الله، «واجب الوجود» يعني لا يجوز عليه العدم، وكل ما دون الله يجوز عليه العدم؛ ولذلك قال: واجب الوجود.
١٥:١٤ وحتى نُخِلَّ أيضًا بالكتاب ككل: كل كلمة إن شاء الله نحاول أن نُبيِّنها، حتى تكونوا قد أخذتم شرح كل كلمة في الكتاب.
٤ — «الْحَمْدُ للهِ» وأركان الحمد
١٦:٠٧ قال «الحمد لله»، وقد بيَّنّا الحمدَ وشرحَه. قال: هو الثناء.
١٦:١٠ وأركان الحمد خمسة: حامدٌ، ومحمودٌ، ومحمودٌ به، ومحمودٌ عليه، وصِيغة. تقول: «زيدٌ عالمٌ لكونه أكرمك»؛ فأنت الحامد، وزيدٌ المحمود، والعِلم المحمود به، والكرم المحمود عليه، والصيغة هي قولك: «زيدٌ عالمٌ».
١٦:٢٧ ومعنى الحمد قال: هو الثناء على الله تعالى بالجميل الاختياري، على جهة التعظيم.
١٦:٣٧ وقلنا هنا: الحمد — صحيح أنه ذِكرُ أوصافِ المحمود مع المحبة والتعظيم. ذكر «الثناء»، وبعضهم قال: الثناء لا يُذكر إلا في الخير. وإن كان بعض أهل العلم غير ذلك. فنقول: الثناء يُذكر في الخير وفي الشر، لكن هنا نحمله على أنه يقصد بالثناء — على جمهور العلماء — ثناءً يكون في الخير. وإلا فقد يُذكر ثناءٌ في الخير وقد يُذكر ثناءٌ في الشر، فيُحمَل هنا الكلام على أنه يقصد الثناء في الخير.
١٧:٠٩ والصحيح نقول أيضًا: إنَّ الحمد ذِكرُ أوصافِ المحمود مع المحبة والتعظيم، وهذا لا يكون إلا لله. وقد بيَّنّاه الأسبوع الماضي حتى لا نُعيده.
٥ — «رَبِّ الْعَالَمِينَ»: الفرق بين «العالَمين» و«العالَم»
١٧:٢٠ قال «رَبِّ» أي مالك. وهنا «الربّ» فسَّره بـ«مالك»؛ أي سُمِّي المالكُ بالربِّ لأنه يُربِّي ما يملكه.
١٧:٢٩ وقال «مالك العالَمين» بفتح اللام. وفَرْقٌ بين «العالَمين» و«العالَم» أو «العوالِم»: «العالَمين» إذا قيلت يُقصد بها من يَعقِل فقط؛ يُخاطَب بها عالَمُ الجنِّ والإنس والملائكة، هذا «العالَمين».
١٧:٥٨ بخلاف «العالَم»، فهذا يدخل فيه من يَعقِل ومن لا يَعقِل؛ فتدخل فيه الحشرات والحيوانات وغير ذلك.
١٨:٠٧ فلذلك قال هنا: «العالَمين» بفتح اللام. كما قال ابن مالك الإمام: العالَم في اللغة اسم جمع خاصٌّ بمن يعقل، لا جَمْع، ومفردُه «عالَم» بفتح اللام؛ لأنه اسمٌ عامٌّ لما سوى الله.
١٨:٢٤ فيبقى «عالَم» أعمُّ من «العالَمين»: العالَمين بمن يعقل، و«عالَم» يدخل فيه من يعقل ومن لا يعقل. وقال: «والجمع خاصٌّ بمن يعقل»؛ فلما تقول «العالَمين» يُقصد به من يعقل، وهم ثلاثة فقط: الجن والإنس والملائكة.
| اللفظ | من يشمل؟ | نوعه |
|---|---|---|
| الْعَالَمِين | من يَعقِل فقط: الجن، الإنس، الملائكة | اسم جمع خاصٌّ بمن يعقل |
| الْعَالَم | من يعقل ومن لا يعقل (حتى الحشرات والحيوان) | اسم عامٌّ لما سوى الله |
٦ — «وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ»: معنى الصلاة من الله ومن الملائكة ومن المؤمنين
١٨:٣٨ قال: «وصلَّى الله وسلَّم». والصلاة من الله عز وجل ثابتة: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
١٨:٥٠ هنا المؤلف قال «صلَّى الله»، والشارحُ أضاف «وسلَّم»، وأضافه رجوعًا للآية؛ لأن الآية جاء فيها التسليم. لكن المؤلف القاضي أبو شجاع ذكر «صلَّى الله» فقط، فأضاف هو «وسلَّم» امتثالًا للآية.
١٩:٠٩ والصلاة من الله عز وجل: الثناء عليه في الملأ الأعلى. والصلاة من الملائكة على الراجح: الاستغفار له. والصلاة من المؤمنين: الدعاء له.
١٩:١٨ قال هنا: «وصلَّى الله وسلَّم على سيدنا». والنبي ﷺ هو سيد المخلوقات جميعًا — الإنس والجن والملائكة — وأفضلُ الخلق عند الله عز وجل، فهو سيدنا.
٧ — «النَّبِيّ»: اشتقاقه والفرق بينه وبين الرسول
١٩:٣٨ «محمدٌ النبيُّ»، و«محمد» إما بدلٌ أو عطفُ بيان. ونقول هنا: اختار «النبي» على «الرسول»، قال: «محمدٌ النبيُّ»، ولعلَّ اختيارَه «النبيَّ» تَبَعًا لقوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، فأخذ الآية في الصلاة وأتى بـ«النبي» لأن الآية فيها «النبي».
٢٠:٠٨ والنبي ﷺ محمدٌ نبيٌّ ورسولٌ؛ لأن الرسول أخصُّ من النبي. كلُّ رسولٍ نبيٌّ وليس كل نبيٍّ رسولًا.
٢٠:٢٨ وقال «محمدٌ النبيُّ»، و«النبي» قد تكون بالهمز يعني من «النَّبَأ»، ولذلك هو نبيٌّ يُنبِئ؛ وقد تكون بدون الهمز من «النُّبوَّة». ولذلك هو قال: «هو بالهمز وتركِه».
٢٠:٤٠ فهنا «النَّبَأ» يعني الخبر؛ لأنه مُخبِرٌ — أي كل رسول أو نبيٍّ مُخبِرٌ عن الله عز وجل، مُخبِرٌ بالشرائع ومُخبِرٌ بالأحكام. و«تركُه» يعني ترك الهمز، أي من «النُّبُوَّة»: بتسكين الباء وتشديد النون وفتح الواو، وهي الرِّفعة؛ لأن النبي مرفوع الرُّتبة، مرفوع الدرجة عند الله عز وجل وعند الناس كذلك.
- من «النَّبَأ» = الخبر
- لأنه مُخبِرٌ عن الله بالشرائع والأحكام
- من «النُّبُوَّة» = الرِّفعة
- لأنه مرفوع الرتبة عند الله وعند الناس
٨ — تعريف النبي: «إنسانٌ أُوحِيَ إليه بشرعٍ يعمل به»
٢١:١٤ ثم أراد أن يُعرِّف لك مَن الذي يكون نبيًّا — وهذا الكلام قد يكون جديدًا على كثيرٍ من الناس. قال: «إنسانٌ أُوحِيَ إليه بشرعٍ يعمل به وإن لم يُؤمَر بتبليغه».
٢١:٣١ قبل أن ندخل في «النبي» قال: «إنسان». طيب، ما هو الإنسان الذي قد يكون نبيًّا؟ هذا فيه أكثر من وصف: أن يكون حرًّا، ذكرًا، من بني آدم، سليمًا عن مُنفِّرٍ طَبعًا — يعني كالجُذام والبَرَص — وعن دناءةِ أبٍ أي خِسَّة الأب: يكون حجَّامًا أو زبَّالًا أو هكذا، وعن خَنَى أمٍّ يعني فُحشِها وزِناها، والعياذ بالله.
٢٢:٢٤ فلما قال «إنسان» احتاج أن يُبيَّن أنه ليس هناك نبيٌّ إلا ما يكون حرًّا ذكرًا، ثم جاءت الصفات الأخرى التي بيَّنّاها.
- إنسان من بني آدم
- حُرّ
- ذَكَر
- سليم عن مُنفِّرٍ طَبعًا
- كالجُذام والبَرَص
- سليم عن دناءة الأب (خِسَّة حِرفته)
- سليم عن خَنَى الأم (فُحشها)
٩ — تحقيق الفرق بين النبي والرسول
٢٢:٣٦ قال: مَن هو النبي؟ «أُوحِيَ إليه بشرعٍ». إذن النبي هو مَن أُوحِيَ إليه بشرع. والفرق بين النبي والرسول — وهذا أحدُ الأقوال —: أنَّ النبيَّ يُوحَى إليه والرسولَ يُوحَى إليه، لكنَّ النبيَّ لا يُؤمَر بالتبليغ والرسولَ هو الذي يُؤمَر بالتبليغ.
٢٢:٥٠ وهذا القولُ الذي ذكره سنَقِفُ عنده — يعني نقوله كما هو — وإلا ففي أقوالٍ أخرى أرجحُ من هذا القول؛ لأنَّ في بعض الأنبياء مَن أُمِروا بالتبليغ، كأنبياء بني إسرائيل الذين جاءوا بعد موسى عليه السلام، أُوحِيَ إليهم وأُمِروا بالتبليغ.
٢٣:٠٦ والراجح — والله أعلم — أنَّ الفرق بين النبي والرسول: أنَّ الرسول هو من أُرسِل إلى قومٍ كافرين، والأنبياء أُرسِلوا إلى قومٍ مسلمين يُجدِّدون لهم إيمانهم. يعني كما أن أنبياء بني إسرائيل جاءوا بعد موسى، وموسى جاء على قومٍ كافرين؛ ثم جاء مَن بعد موسى إلى بني إسرائيل يُجدِّدون رسالة موسى.
٢٣:٥١ لأن في بعض الآيات ما يُبيِّن أن الأنبياء يُبلِّغون أيضًا، ولكن ليس على قومٍ كانوا كفارًا برسالةٍ جديدة. هذا أفضل الأقوال في هذه المسألة، وإن شاء الله في العقيدة سنُفصِّل أكثر.
٢٣:٥٩ فقال: «فإن أُمِرَ بتبليغه فنبيٌّ ورسولٌ أيضًا».
| الوجه | القول الذي ذكره الشارح | الراجح عند الشيخ |
|---|---|---|
| النبي | أُوحِيَ إليه ولم يُؤمَر بالتبليغ | أُرسِل إلى قومٍ مسلمين يُجدِّد لهم إيمانهم |
| الرسول | أُوحِيَ إليه وأُمِرَ بالتبليغ | أُرسِل إلى قومٍ كافرين برسالةٍ جديدة |
| وجه الاعتراض | أنبياء بني إسرائيل بعد موسى أُوحِيَ إليهم وأُمِروا بالتبليغ، فلا يستقيم الحدُّ الأول على إطلاقه | |
✍️ أسئلة على هذا المبحث
١. عدِّد أحكام البداية بالبسملة مع مثالٍ لكل حكم.
٢. ما أركان الحمد الخمسة؟ طبِّقها على «زيدٌ عالمٌ لكونه أكرمك».
٣. ما الفرق بين «العالَمين» و«العالَم»؟
٤. ما معنى الصلاة من الله؟ ومن الملائكة؟ ومن المؤمنين؟
٥. عرِّف النبيَّ كما في الكتاب، واذكر أوصاف مَن يصلح للنبوة.
٢الآل والصحابة، وسؤال الأصدقاء
١ — «مُحَمَّدٌ عَلَمٌ مَنْقُولٌ»
٢٤:٢١ قال: «ومحمدٌ عَلَمٌ منقولٌ من اسم المفعول المُضعَّف العين، والنبيُّ بدلٌ منه أو عطفُ بيانٍ» — وهذه بيَّنّاها.
٢ — «آلِهِ الطَّاهِرِينَ» — مَن هم الآل؟
٢٤:٣٥ رجع هنا فقال: الإمام الشافعي قال إنهم أقاربُه المؤمنون من بني هاشم وبني المطَّلِب. إذن كأنَّ «الآل» يُطلق على كل من كان من بني هاشم وبني المطَّلِب.
٢٤:٤٩ وبعض أهل العلم يجعلونه في بني هاشم فقط، وليس في بني المطَّلِب.
٢٤:٥٨ ولكن هنا الراجح أنَّ «الطاهرين» كما قال الشافعيُّ: أقاربُه المؤمنون من بني هاشم وبني المطَّلِب.
٢٥:٠٥ والحقُّ أنه — كما أذكر ممن تكلَّم في هذه المسألة — قال: «المؤمنون» لا يُشترط، يعني ممكن يكون «المسلمون»؛ لأنه ممكن أن يكون عاصيًا ولذلك يُدعى له أيضًا بالتوبة وغير ذلك. فالمقصود هنا ليس المؤمن الذي هو المتَّقي فقط؛ لأن البعض جعلوا الأتقياء من كذا، لكن الأرجح حتى يدخل فيه من كان عاصيًا منهم، فيشمله الدعاء بذلك أيضًا.
٢٥:٣٣ وقال: «وقيل — واختاره النوويُّ —: كلُّ مسلمٍ». قاله الشارح: قال النوويُّ: كلُّ مسلم. يريد أن يُفرِّق بين المسلم والمؤمن، على أنَّ المسلم فيه عاصٍ قد تُصيبه المعصية، والمؤمن قد ارتفع عن المسلم بفعل الواجبات والانتهاء عن المحرَّمات، وأيضًا فعل المستحبات والانتهاء عن المكروهات.
٢٥:٥٢ واختار النوويُّ أنه كلُّ مسلمٍ — يعني ولو عاصيًا؛ لأنه أحوجُ إلى الدعاء من غيره.
٢٥:٥٩ «ولعلَّ قوله الطاهرين مُنتزَعٌ» يعني مُقتَبَسٌ، من قوله تعالى ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾؛ لذلك قال «الطاهرين».
- أقاربه المؤمنون من بني هاشم وبني المطَّلِب
- بنو هاشم فقط دون بني المطَّلِب
- كلُّ مسلمٍ، ولو عاصيًا؛ لأنه أحوج إلى الدعاء
٣ — «صَحَابَتِهِ»: تعريف الصحابي وفائدةٌ في عيسى عليه السلام
٢٦:٠٩ «وعلى صحابته»: جمعُ صاحبٍ، صاحبِ النبي ﷺ. وقد بيَّنّا معنى الصاحب الأسبوع الماضي حتى لا نُكرِّر. «وقوله أجمعين تأكيدٌ لصحابته».
٢٦:٢٢ لكن هناك زيادة: قلنا في تعريف الصاحب: مَن لَقِيَ النبيَّ ﷺ أو اجتمع به، ومات وهو مؤمنٌ — ومات على ذلك. وقال ابن حجر: «وإن تخلَّلته رِدَّة». وهذا المهمُّ.
٢٦:٤٢ إذن كلُّ من قابل النبيَّ ﷺ… وهنا فائدةٌ من النُّكَت في هذه المسألة: كل من قابل النبيَّ ﷺ في الدنيا، أو كلُّ من قابله ﷺ على الأرض — خلِّينا نضبطها، بعضهم يُضيف هذا القيد.
٢٦:٥٥ لذلك عيسى عليه السلام قابل النبيَّ ﷺ في بيت المقدس لما صلَّى به في الإسراء والمعراج؛ فيكون عيسى قد اجتمع بالنبي ﷺ. فهو نبيٌّ وصحابيٌّ. قلتَ لي نبيٌّ، قل لي صحابيٌّ. قل لك: ليه؟
٢٧:١٠ لأنه لما يأتي آخر الزمان وينزل عيسى عليه السلام، كلُّ من لَقِيَ عيسى يُعدُّ تابعيًّا؛ لأن كلَّ من رأى الصحابيَّ فهو تابعيٌّ. فعيسى عندما يُرى آخرَ الزمان ويلقاه أحدٌ — من نسلكم أو من غيرهم، لا ندري كيف سيكون الأمر — فكلُّ من التقى بعيسى يُعدُّ تابعيًّا، مع أنَّ عيسى نبيٌّ، لكنه يكون صحابيًّا. فهذه الفائدة التي يقولها بعض الشُّرَّاح في مسألة الصحابة، زيادةً على ما قلناه من قبل.
٢٧:٤٨ وقال «أجمعين» وهذا تأكيدٌ في ذلك أيضًا.
٤ — «سَأَلَنِي بَعْضُ الأَصْدِقَاءِ»: المصنِّف مسؤولٌ لا مُبتدِئ
٢٧:٤٨ ثم ذكر المصنِّفُ أنه مسؤولٌ في تصنيف هذا المختصر — يعني مسؤول، أي أنه لم يُبادِر في تصنيفه من نفسه، بل جاء أحدٌ سأله أن يكتب مُلخَّصًا مُصنَّفًا يُساعد طلابَ العلم المبتدئين في الفقه.
٢٨:٠٨ وهذا كثيرٌ من العلماء: تجد كتبًا كثيرة — يا شيخ الإسلام ابن تيمية، كله يجيء واحدٌ يسأله: «الواسطية» و«الحموية» وغيرها؛ يجيء واحدٌ من واسط، ومن حماة، ومن غيره، يسأله سؤالًا فيُفرِد له الإجابة. وابن القيم كذلك، وكثيرٌ من العلماء.
٢٨:٢٢ حتى «الرسالة» — كتابة رسالة الإمام الشافعي — جاءه من سأله أن يكتب له كتابًا مُصنَّفًا في أصول الفقه، من أحد أساطين العلم تقريبًا، فكتب. فهذا يعني أحيانًا كان العلماء يكتبون بناءً على حاجة الناس؛ يسألهم العلماءُ مثلُهم أو طلابُ العلم أو بعض الناس أن يكتب لهم شيئًا ينتفعون به.
٥ — مراتب الطلب: أمرٌ ودعاءٌ والتماس
٢٨:٥٤ قال: «سألني بعض الأصدقاء»، جمع صديق. «سألني» أي طلب مني. والطلب يأتي من الأعلى، ويأتي من الأدنى، ويأتي من المساوي.
٢٩:١٥ من الأعلى إلى الأدنى: أمرٌ — ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ هذا أمر.
٢٩:٢٧ ومن الأدنى إلى الأعلى: دعاءٌ — «ربَّنا اغفر لنا ذنوبنا»، هذا ليس أمرًا منا لله عز وجل، حاشاه، بل دعاءٌ لله عز وجل أن يغفر لنا، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا﴾ إلى آخر ذلك من الأدعية كلها.
٢٩:٤٩ والمساوي للمساوي: التماسٌ — أن يقول لأحدٍ من أصحابه: «أعطني كوب الماء»، «أعطني هذه الزجاجة»، «أعطني كذا»؛ هذا من الالتماس.
٢٩:٥٩ قال: «سألني بعض الأصدقاء» يعني طلب منه بعض الأصدقاء. طيب، إنه لم يقل «أمرني» ولا «التمس مني» ولا «دعاني»؛ لكن هذا كما قلنا من معاني الطلب في ذلك.
﴿أقيموا الصلاة﴾
«ربنا اغفر لنا»
«أعطني كوب الماء»
٦ — مَن هو الصديق؟
٣٠:١١ وقال «بعض الأصدقاء» جمعُ صديق. طيب، من هو الصديق؟ أكيد فيه أصدقاء، كلُّ اثنين فيه واحدٌ معه صديق. ما هو تعريف الصديق؟
٣٠:٤٩ [من إجابات الطلبة: «الصديق وقت الضيق»، و«من الصِّدق»…] الصديق وقت الضيق: يعني يفعل ماذا وقت الضيق؟ يُساعد. ووقت الذي ما فيه ضيق لا يعرفك!
٣١:٠٢ «أحمد» قال: من الصِّدق — يعني هذا ممكن أن يكون أصلَ المادة والاشتقاق، لكن ما هو الصديق أيضًا؟
٣١:٣٤ الصديق: مَن يفرح لفرحك ويحزن لحزنك. وسُمِّي صديقًا — يا أحمد — لصِدقه في محبته؛ بالمادة وأصلها صحيح، بمادة أصل الصِّدق: لصِدقه في محبته. طيب، كيف الصِّدق في المحبة؟ يفرح لفرحك ويحزن لحزنك.
٣٢:٠٠ وضدُّه العدوُّ؛ ولذلك العدو: يفرح لحزنك ويحزن لفرحك. فالله المستعان.
٣٢:١٤ وللإمام الشافعي كلامٌ بديعٌ في هذه المسألة، ممكن تكتبوه:
«مَنْ طَلَبَ صَدِيقًا مِنْ غَيْرِ عَيْبٍ فَقَدْ أَتْعَبَ نَفْسَهُ،
وَمَنْ عَاتَبَ إِخْوَانَهُ عَلَى كُلِّ ذَنْبٍ فَقَدْ أَكْثَرَ أَعْدَاءَهُ»
٣٢:٣٣ تدبَّروها: «من طلب صديقًا من غير عيبٍ» — مش ممكن تلاقيه — «فقد أتعب نفسه»؛ «ومن عاتب إخوانه على كل ذنبٍ» — تقول لهم عملوا حاجة ويقعد يُعاتبهم — «فقد أكثر أعداءه»؛ الناس مش هتتقبَّل، مش هتعوز تقعد معه ولا تتكلم معه ولا تقابله.
٧ — «حَفِظَهُمُ اللهُ تَعَالَى» جملةٌ دعائية
٣٣:١٢ وقوله «حفظهم الله» جملةٌ دعائية كما قال؛ فهذا دعاءٌ لهم بالحفظ.
٣٣:١٧ يعني اشتُهِر أن تقول «حفظهم الله» لمن هم الأحياء، و«رحمهم الله» لمن هم الأموات. وإن كان يجوز أن تقول «حفظهم الله» وهم أمواتٌ، و«رحمهم الله» وهم أحياء؛ فتحمل «حفظهم الله» للأموات على أن يحفظهم من أهوال القبر والسؤال وما هم فيه — أيضًا يجوز. و«رحم الله» للأحياء؛ لأن الرحمة تجوز في الحياة وفي غير الحياة أيضًا. فإذن المشتهر: «حفظهم الله» للأحياء، و«رحمهم الله» للأموات.
✍️ أسئلة على هذا المبحث
١. مَن الآل عند الشافعي؟ وما اختيار النووي؟
٢. عرِّف الصحابيَّ، وما زيادة ابن حجر؟
٣. كيف يكون عيسى عليه السلام صحابيًّا؟ وما يترتَّب على ذلك؟
٤. اذكر مراتب الطلب الثلاث بأمثلتها.
٥. لماذا سُمِّي الصديقُ صديقًا؟ وما ضدُّه؟
٣«أَنْ أَعْمَلَ مُخْتَصَرًا فِي الْفِقْهِ»
١ — الاختصار: لغةً واصطلاحًا
٣٣:٥٠ هنا ابتدأ يُبيِّن المختصر. الاختصار يعني الإيجاز، وهو: ردُّ الكلام إلى قليلِه مع استيفاء المعنى.
٣٤:٠٢ وشوف: الاختصارُ في اللغة غيرُ الاختصار في الاصطلاح.
٣٤:١٠ الاختصار في اللغة: لا بدَّ أن يكون قليلُ اللفظ مساويًا للمعنى؛ اللفظ قليلٌ لكنه يُساوي معناه.
٣٤:١٦ وفي الاصطلاح ثلاثُ صور: قد يكون قليلَ اللفظ كثيرَ المعنى، ويكون قليلَ اللفظ مساويًا للمعنى، ويكون قليلَ اللفظ والمعنى أقلَّ منه.
٣٤:٢٨ يعني تلاقي ألفاظًا ومعانيها كثيرة، وهذه تلاقيها دائمًا في المتون؛ فالمتون كتب العلماء فيها كلماتٌ قليلة، ثم تقعد تفكُّ فيها، سطران نقعد نتكلم فيهما يومين أو ثلاثة! ألفاظٌ قليلة لكن معانيها كثيرة، للبلاغة. وأحيانًا تكون الألفاظ قليلة والمعاني مساوية للَّفظ، وقد يكون اللفظ قليلًا والمعنى أقلَّ. كل هذه الثلاثة في الاختصار الاصطلاحي.
٣٤:٥٤ وقال هنا: «وما قلَّ لفظُه وكَثُر معناه» — أراد أن يقول لك: هو مختصرٌ، قليلُ اللفظ لكن المعنى سيكون أكثر. وهذه لا شكَّ أنها إفادةٌ خاصةٌ للمبتدئ: أن تكون الألفاظ قليلة فيستطيع أن يحفظها، والمعاني تكون أكثر، فبالشرح له يستفيد من ذلك.
| الاختصار | نسبة اللفظ للمعنى | الحكم |
|---|---|---|
| في اللغة | اللفظ القليل = المعنى | صورةٌ واحدة فقط |
| في الاصطلاح | اللفظ قليل والمعنى أكثر | وهو الذي قصده المصنِّف هنا |
| اللفظ قليل والمعنى مساوٍ | صورةٌ صحيحة | |
| اللفظ قليل والمعنى أقلُّ | صورةٌ صحيحة |
٢ — الفقه لغةً: الفَهْم، وما معنى الفَهْم؟
٣٥:٢٦ ثم قال «في الفقه». والفقهُ كما عرَّفه: لغةً هو الفَهْم.
٣٥:٥٠ طيب، ما معنى الفَهْم؟ الفَهْم: ارتسامُ صورةِ الشيء في الذِّهن. يعني أنا لما أتكلم معك عن شيء — قلتُ لك مثلًا «مياه» — فيأتي الكوبُ من الماء في ذهنك، ترتسم صورةُ الماء والكوب. أو أتكلم عن أطعمةٍ تعلمها، أو قلتُ لك «تُشرِق الشمس» فيأتي في ذهنك شمسٌ ووقتُ الشروق أو الغروب. هذا معنى الفَهْم: ارتسامُ صورةِ الشيء في الذهن، تتصوَّرها أنت في الذهن.
٣ — الفقه اصطلاحًا وقيودُه السِّتَّة
٣٦:٢٧ أما الفقه في الاصطلاح فغيرُ ذلك؛ قال — وهذا الذي تحفظونه —: «العِلمُ بالأحكامِ الشرعيةِ العمليةِ المكتسَبُ من أدلَّتها التفصيلية». نحن نشرحه.
القيد الأول: «العِلْم»
٣٦:٤٣ «العِلم» هذا لا بدَّ أن يُحفظ. أما يقول لك: الفقه هو العِلم. طيب ما معنى العِلم؟ حُكمُ الذِّهنِ الجازمُ المطابِقُ للواقعِ عن دليل. وقد تكلَّمنا في العلم واليقين والظن والوَهْم والشك كما بيَّنّا.
٣٧:٠٢ وهذا الفرق — كما قلنا — بين العلم والمعرفة؛ ولذلك اللهُ عز وجل يُسمَّى عالِمًا وعليمًا ولا يُسمَّى عارفًا؛ لأن العِلم فيه اليقين والمعرفةَ فيها الظن.
٣٧:١٦ مثال: لو سألتك: هل جاء أحمدُ الدرسَ؟ فتقول لي: نعم، رأيتُ أحمدَ اليوم في الدرس. أنت عندك هنا حُكمٌ جازمٌ مطابقٌ للواقع، وعن دليلٍ. طيب ما الدليل؟ سجَّل اسمَه في الكشوف، أو مُسجَّلٌ في الكاميرا وهو داخلٌ مثلًا — في الزمن الذي نحن فيه الآن.
٣٧:٤٣ ولا شكَّ أن «العلم» هنا سنحمله على غلبة الظن مجازًا أحيانًا؛ لأنه ليس كلُّ العلم يقينًا في الفقه: فيه نصوص وفيه مسائل اجتهادية وهو عِلمٌ برضه، فسيدخل فيه بعد ذلك غلبةُ الظن. لكننا نتكلم من باب التأصيل.
القيد الثاني: «بالأحكام» — خرجت الذوات والصفات
٣٨:١٢ قال: «العِلمُ بالأحكام». انتبهوا — كلُّ هذا في التعريف، والمهمُّ هو تعريف الفقه هذا. «بالأحكام» أخرج الذواتِ والصفاتِ؛ يعني عِلمُك بالذات وعِلمُك بالصفة ليس معنا. يعني عِلمُك أن زيدًا أبيضُ، وأنَّ هذا الخيلَ لونه أحمرُ — أيُّ شيء. فخرج العِلم بالذوات والصفات؛ لأنه يتكلم على الأحكام الآن.
٣٨:٣٩ طيب، «الأحكام» جمعُ حُكم. ما تعريف الحُكم؟ خطابُ اللهِ تعالى المتعلِّقُ بأفعالِ المكلَّفين، إما بالطلبِ أو بالتخييرِ (الإباحة) أو بالوضع. انتبهوا، فإن هذا تعريفٌ مهم.
٣٩:١٣ فليس خطابًا متعلِّقًا بغير المكلَّفين، بالجمادات وبالحيوانات؛ لا، هو خطاب الله تعالى المتعلِّق بالمكلَّفين.
الحُكم التكليفي والحُكم الوضعي
٣٩:٢٣ فلما قلتُ «بالطلب والإباحة» فهذه الأحكامُ التكليفيةُ الخمسة: الوجوب، والاستحباب، والتحريم، والكراهة، والإباحة. ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ واجبٌ؛ ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ محرَّمٌ؛ «وكُلوا من الثمر» الإباحة في أكل الثمار لا إشكال فيه؛ وتجديدُ الوضوء مستحبٌّ؛ وكراهةُ أكل البصل مكروهٌ. كلُّ هذه أحكام.
٤٠:١٥ طيب، ما الوضع؟ ما هي الأحكام الوضعية؟ الأحكامُ الوضعية ليس المقصود بها القوانين؛ لا، الأحكامُ الوضعية موجودةٌ في الشرع عندنا، وهي: السبب، والشرط، والمانع، والصحة والفساد.
٤٠:٢٢ يعني إيه «وضع»؟ يعني الله عز وجل جعل زوالَ الشمس دلالةً على دخول وقت الظهر، وجعل طلوعَ الفجر دلالةً على دخول وقت الصبح، وجعل غروبَ الشمس دلالةً على دخول وقت المغرب.
٤٠:٤٤ وكذلك الزكاة: متى تكون؟ إذا بلغتْ النِّصابَ — شرطٌ عندك نصابٌ معيَّن مقدَّر — وحالَ الحَوْلُ. السبب الأول أنها بلغتْ النصاب، والشرط أن يَحُول الحَوْلُ القمري.
٤٠:٥٩ والحيضُ مانعٌ للمرأة من الصوم ومن الصلاة، فمنعها من ذلك.
٤١:١٣ ثم الصحة أو الفساد: نقول هذه صلاةٌ صحيحةٌ، وهذه صلاةٌ باطلةٌ. صلَّى بدون وضوءٍ: صلاةٌ باطلة. صلَّى باستيفاء الشروط التي هي القِبلة وسترُ العورة والطهارة: صلاةٌ صحيحة.
٤١:٤٣ فيبقى الحكمُ: تكليفيٌّ ووضعيٌّ، والاثنان هما التقسيم، وسيأتي الكلام عنه في أصول الفقه إن شاء الله.
القيد الثالث: «الشرعية» — خرجت العقلية والحسابية والعادية
٤٢:٠٧ قال «بالأحكام الشرعية» — لما قال «شرعية» فهذا قيدٌ. فهناك أحكامٌ عقلية، وهناك أحكامٌ نقول: واحدٌ زائد واحدٍ يساوي اثنين، اثنان ناقص واحدٍ يساوي واحدًا — هذه أحكامٌ حسابية، وأحكامٌ عادية أيضًا، وهذا ليس فقهًا.
٤٢:٢٥ «الأحكام الشرعية» نسبةً للشرع، للشارع — والله عز وجل، أو النبي ﷺ الذي هو مُبلِّغٌ عن الشرع. فنسبةُ الأحكام الشرعية نسبةٌ للشرع، بمعنى الأحكام التي أنزلها الله عز وجل، سواء في القرآن — نقول هذا كلام الله — أو أُوحِيَ إلى النبي ﷺ فيها وبُلِّغت عن طريق السنة. هذا معنى «الشرعية».
القيد الرابع: «العملية» — خرجت الاعتقادية
٤٢:٥١ قال «العملية»؛ لأن الأحكام الشرعية نوعان أيضًا: عِلمية وعَملية، أو اعتقادية وعملية. فخرج هنا في الفقه الأحكامُ الخاصة بالاعتقاد.
٤٣:١٨ الأحكام الخاصة بالاعتقاد: كالعِلم بالله وأسمائه وصفاته والغيبيَّات وغير ذلك — كلُّ هذا عِلم التوحيد أو عِلم العقيدة. خرج؛ لأنه قال هنا «الأحكام الشرعية العملية»، يعني متعلِّقة بالعمل، سواء كان هذا العمل قلبيًّا أو بدنيًّا أو بالجوارح.
القيد الخامس: «المكتسَب» — خرج عِلمُ الله ووحيُ النبي ﷺ
٤٣:٣٨ قال «المكتسَب» — وهو بالرفع يرجع للعِلم، يعني العِلم هذا مكتسَب. ولما قلنا «مكتسَب» خرج منه العلمُ الذي هو وحيٌ، يعني عِلم جبريل، وعِلم النبي ﷺ وحيٌ من الله عز وجل. وإن كان النبي ﷺ ممكن يجتهد ويُقِرُّ، لكنه في الآخر هو وحيٌ من الله عز وجل.
٤٤:٠٢ فهذا قيدٌ رابعٌ [في العدِّ]، خرج به عِلم الله؛ لأنه ليس داخلًا معنا في الفقه، فهو عِلمٌ لله عز وجل ليس مكتسَبًا؛ وعلمُ النبي ﷺ على نحو الوحي أيضًا، ودخل فيه جبريل كذلك.
القيد السادس: «من أدلَّتها التفصيلية»
٤٤:٢٣ قال: «المكتسَب من أدلَّتها» — من أين؟ من أدلَّة الأحكام: الكتاب والسنة، وممكن يأتي الإجماع بعدين، ولو قلنا بالقياس.
٤٤:٣٤ «التفصيلية»: انتبه، فيه فرقٌ بين الفقه وأصول الفقه. الفقه: أن تأتيَ بالحكم من دليلٍ تفصيلي. ما تقدرش تقول وجوبًا أو استحبابًا أو تحريمًا أو كراهةً على أيِّ شيء إلا ويكون معك دليلٌ تفصيليٌّ.
٤٤:٥١ مثلًا: تقول لي لا بدَّ أن تصلي، أقول لك: ما دليلُك على الصلاة؟ تقول لي: عندي من الكتاب والسنة؛ من الكتاب قوله تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، ومن السنة «خمس صلوات في اليوم والليلة» — الحديثُ، حديثُ الرجل الذي جاءه يسأله عن الإسلام. فأصبح عندي دليلٌ تفصيليٌّ للصلاة. فالفقيه لا بدَّ أن يكون عنده الدليل التفصيلي.
٤٥:١٢ لكن لما يجيب الحكمَ يحتاج لدليلٍ آخر من الأصول: لما قلتُ له ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ يقول لك: طيب ﴿أقيموا الصلاة﴾ لماذا وجوبٌ؟ يقول لك: لأن عندي قاعدةً عند الأصولي: الأمرُ يُفيد الوجوب. فـ«أقيموا» أمرٌ يفيد الوجوب، فأخذتَ القاعدة التي عند الأصولي — وهي من الشرع أيضًا: «إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم»، و﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾.
٤٥:٤١ فيأتي الفقيهُ يأخذ القاعدة من عند الأصولي، يحطُّها على الدليل التفصيلي، فيَطلُع له الحكمُ الفقهيُّ.
٤٥:٥٠ وهذا الأصلُ: ألَّا يوجد فقيهٌ يتكلم من رأسه؛ لا بدَّ أن يكون بدليل، ولا بدَّ للحكم الشرعي كلِّه من دليل. وقد يكون الدليل آيةً أو حديثًا أو إجماعًا أو قياسًا — كما سيأتي معنا في الدراسة في الأصول — وهذه الأدلةُ المتَّفقُ عليها.
٤٦:١٤ فهو لما قال «من أدلَّتها التفصيلية» يعني المفصَّلة العَينية. وهذا قيدٌ سادسٌ، خرج به الخلافيُّ؛ يعني خرج به الخلافيات التي تأتي بين المذاهب وبعضها البعض.
- حُكم الذِّهن الجازم المطابق للواقع عن دليل
- خرجت به المعرفة (الظن)
- خرجت الذواتُ والصفاتُ
- والحكم: خطابُ الله المتعلِّق بأفعال المكلَّفين
- خرجت الأحكامُ العقلية والحسابية والعادية
- خرجت الأحكامُ الاعتقادية (التوحيد والعقيدة)
- خرج عِلمُ الله تعالى وعِلمُ جبريل ووحيُ النبي ﷺ
- خرج عِلمُ الخلاف وأصولُ الفقه (الأدلة الإجمالية)
- واجب — ﴿أقيموا الصلاة﴾
- مستحبّ — تجديد الوضوء
- مباح — أكل الثمار
- مكروه — أكل البصل
- محرَّم — ﴿ولا تقربوا الزنا﴾
- السبب — بلوغ النِّصاب في الزكاة
- الشرط — حَوَلان الحَوْل القمري
- المانع — الحيض يمنع الصوم والصلاة
- الصحة — صلاةٌ مستوفِيةٌ للشروط
- الفساد — صلاةٌ بلا وضوء
✍️ أسئلة على هذا المبحث
١. عرِّف الفقه لغةً واصطلاحًا.
٢. ماذا خرج بكل قيدٍ من قيود تعريف الفقه؟
٣. ما تعريف الحُكم؟ وما أقسامه؟
٤. ما تعريف العِلم؟ ولماذا لا يُسمَّى اللهُ عارفًا؟
٥. ما الفرق بين الفقه وأصول الفقه من جهة الدليل؟
٤«عَلَى مَذْهَبِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ»
١ — الإمامُ لم يَصنَعْ مذهبًا
٤٦:٣١ قال: «على مذهب الإمام» — إذن أيُّ إمام؟ «الأعظم المجتهد ناصر السنة والدين، أبي عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع».
٤٦:٤٦ لا بدَّ أن تفهموا أنَّ الإمامَ ما عَمِلَش مذهبًا؛ هو كان مجتهدًا مطلقًا.
٢ — مراتب الاجتهاد الثلاث
٤٦:٥٣ والاجتهادُ على أنواعٍ ثلاثة: مجتهدٌ مطلق، ومجتهدُ مذهب، ومجتهدُ فتوى.
أولًا: المجتهد المطلق
٤٧:٠٨ المجتهد المطلق كأئمة المذاهب ومن جاء من بعدهم. يعني إيه مجتهد مطلق؟ هو يجتهد من الكتاب والسنة مباشرةً؛ يعني عنده الذكاءُ والقوةُ والعلمُ وأمورٌ أهَّلَه الله لها — هؤلاء الأئمة، من الكتاب والسنة يستخرج لك الأحكام من فهمه للآيات والأحاديث.
٤٧:٣١ هذا يُسمَّى مجتهدًا مطلقًا، يعني ما عندهوش سقفٌ غيرُ الكتاب والسنة؛ كلُّ كلامه راجعٌ للكتاب والسنة. وهؤلاء كلُّهم أئمةُ المذاهب الأربعة، ومَن جاء من بعدهم في التصنيف يُسمَّى مجتهدًا مطلقًا، يرجع غيرَ متأثِّرٍ بمذهب.
ثانيًا: المجتهد على أصول المذهب
٤٩:٣٨ جاء من بعده تلاميذُ الإمام، ومن أعظمهم طبعًا المُزَنِيُّ. ولماذا قلتُ المُزَنيَّ تحديدًا؟ لأن المُزَنيَّ في مرتبةٍ نُسمِّيها مجتهدٌ على أصول المذهب، مش مجتهدًا مطلقًا.
٤٩:٥٥ المُزَنيُّ كان من أخصِّ تلاميذ الشافعي، واختصر كتاب «الأم» بكتابٍ اسمه «مختصر المُزَني»، ولا يمكن لطالب علمٍ ليس عنده هذا الكتاب! هو مجلَّدٌ قدَّ كده، لكن ممكن تقعد تدرس فيه خمسين سنة، دُرَرٌ الذي فيه كلُّه. «الأم» تلاقيه قدَّ كده، فجاء المُزَنيُّ لخَّصه في كتابٍ كده.
٥٠:١٧ وحتى الشافعي كان يرى المُزَنيَّ عبقريًّا، ويعني تنبَّأ له بذلك. فالمُزَنيُّ اختصر، والمُزَنيُّ هذا يُسمَّى مجتهدًا على أصول المذهب؛ من دراسته للشافعي عرف أصولَه وطريقةَ تفكيره واجتهاداتِه، فلمَّا أراد أن يجتهد اجتهد على الأصول التي وضعها الشافعيُّ في اجتهاده.
ثالثًا: مجتهد الفتوى
٥٠:٤٦ ثم يأتي النوع الثالث ويُسمَّى مجتهدَ فتوى، وأشهرُ اثنين في مجتهدي الفتوى: الرافعيُّ والنوويُّ — لا بدَّ أن تحفظوا هذين العالِمَين. يُسمَّى مجتهدَ فتوى؛ لذلك كتبهم وفتاواهم هي المُعوَّل عليها عندنا في المذهب.
٥١:٠٠ والاعتماد دائمًا: لو اختلف الرافعيُّ مع النوويِّ فالنوويُّ نُقدِّمه؛ ولو اتفق الرافعيُّ والنوويُّ في مسألةٍ انتهتْ عندنا الفتوى. يعني هم اجتهدوا بالإفتاء على أصول المذهب.
٣ — القديم والجديد في مذهب الشافعي
٤٨:١٦ فالمقصود هنا بالإمام هو الإمامُ الشافعي؛ كان كلامُه كلُّه بين الكتاب والسنة، ويُدوِّن.
٤٨:٢٧ فلمَّا دوَّن الفتاوى والأحكام — طبعًا كان له مذهبٌ قديم في العراق، ولما جاء مصرَ، كعادتنا نحن نُغيِّر كلَّ حاجة! ما بيجينا بنعمله زيَّ ما يقولون — الإمامُ الشافعيُّ غيَّر مذهبَه كلَّه الذي كان له في العراق لما جاءنا مصرَ وقعد معانا في مصر، إلا بعضَ المسائل: تسعَ عشرةَ مسألةً تقريبًا هي التي أبقى عليها من القديم.
٤٨:٤٦ طبعًا ليس معناه أنَّ المصريين هم الذين جعلوه يُغيِّر، لكنه اجتهد اجتهادًا آخر لما جلس — لعلَّ البيئة عندنا مناسبةٌ لهذه المسألة.
٤٨:٥٤ فالشيخ الإمام رحمة الله عليه عنده مذهبٌ يُسمَّى الجديد وهو الذي في مصر، والقديم الذي كان في العراق. والآن الفتوى في المذهب عنده على الجديد وليست على القديم، لكن أحيانًا نحن ندرس فيقول: كان قوله في القديم كذا وقوله في الجديد كذا.
٤٩:١١ المهمُّ أنَّ هذا الإمام لما اجتهد دوَّن كتابَه الفقهيَّ في «الأم». كتاب «الأم» هذا الكتابُ الأصلُ في المذهب؛ دوَّن فيه كلَّ ما قاله من فتاوى ومن اجتهاد.
| المذهب | المكان | الحكم اليوم |
|---|---|---|
| القديم | العراق | ليس عليه الفتوى، إلا نحو ١٩ مسألة أبقى عليها |
| الجديد | مصر | عليه الفتوى في المذهب، ومُدوَّنُه كتاب «الأم» |
٤ — معنى الاجتهاد، وفضل الشافعي
٥١:٤٣ فقال: «على مذهب الإمام الأعظم المجتهد». طبعًا هذا اجتهادٌ مطلق كما قلنا. وما معنى الاجتهاد؟ بَذْلُ المجهودِ في طلبِ المقصود.
٥١:٥٤ يعني حتى في أمور الدنيا: طُلِب منك بحثٌ في مدرسة أو في جامعة، تبحث وتُجهِد نفسك في مسألةٍ أو في شيءٍ معيَّن لغاية أن تصل لنتائج وتُقدِّمها — هذا هو الاجتهاد. لكنه عندنا في الشريعة هنا: بذلُ المجهود في طلب المقصود، ولا بدَّ من التحرِّي، ولا بدَّ أن ترجع للكتاب والسنة إلى غير ذلك من الأمور العظيمة.
٥٢:٤٣ وفي حديثٍ يُستدَلُّ به على مسألة الإمام الشافعي — وحتى الإمام أحمد كان دائمًا يُردِّده —: «إنَّ اللهَ يبعث على رأس كلِّ مئةِ سنةٍ مَن يُجدِّد لها أمرَ دينها»، فقالوا إنَّ الشافعيَّ كان على المئة الخاصة به.
٥٢:٥٦ ولذلك كان الإمام أحمد — وهو تلميذٌ للشافعي — لما لا يجد في المسألة شيئًا من الكتاب أو السنة أو قولِ صحابيٍّ أو حتى فعلِ صحابيٍّ، ثم يجد قول الشافعي، كان يأخذ بقول الشافعي، اتِّباعًا لـ«عالِمِ قريشٍ» ولهذا الحديث. لكن طبعًا بعد ألَّا يجد في المسألة شيئًا منقولًا.
٥٣:٣٣ ولذلك الإمام الشافعيُّ كان يُسمَّى — أو يُلقَّب — بـناصر السنة والدين؛ لعِظَم ما قدَّمه رحمة الله عليه في الحديث وفي الفقه وفي الأصول وفي اللغة.
٥٤:٠١ وهو مِن وَضَعَ أولَ مُصنَّفٍ في أصول الفقه: كتاب «الرسالة»، الكتاب عظيمٌ جدًّا. وأصولُ الفقه كانت موجودةً في زمن الصحابة يعملون بها، لكن لم تُصنَّف؛ فأولُ من صنَّف مُصنَّفًا مستقلًّا في أصول الفقه الإمامُ الشافعيُّ.
٥٤:٢١ وكان عَلَمًا في اللغة يُؤخذ بأقواله فيها؛ لأنه جال السنين في القبائل حول الحجاز يتعلَّم منهم لغة العرب — أمُّه أرسلته أولًا لتعلُّم اللغة وغير ذلك.
٥٤:٤٧ وطبعًا هذا قال: «وُلِد بغزَّةَ سنةَ خمسين ومئةٍ، ومات رحمه الله تعالى ورضوانُه يومَ الجمعةِ سَلْخَ رجبٍ سنةَ أربعٍ ومئتين».
✍️ أسئلة على هذا المبحث
١. اذكر مراتب الاجتهاد الثلاث مع مثالٍ لكلٍّ.
٢. إذا اختلف الرافعيُّ والنوويُّ، فأيُّهما يُقدَّم؟
٣. ما الفرق بين القديم والجديد عند الشافعي؟
٤. ما تعريف الاجتهاد؟ ولماذا لُقِّب الشافعيُّ بناصر السنة؟
٥أوصافُ المختصر وختامُ الخطبة
١ — غاية الاختصار ونهاية الإيجاز
٥٤:٥٧ ووصف المصنِّفُ مختصرَه بأوصاف: قال «في غاية الاختصار ونهاية الإيجاز»، والغايةُ والنهايةُ متقاربان، وكذا الاختصارُ والإيجازُ.
٥٥:١٢ ومنها أنه «يَقرُبُ على المتعلِّم» — وقال هنا لأنه مختصرٌ، عشان يَقرُبَ على المتعلِّم لفروع الفقه أن يدرسه، ويَسهُلَ على المبتدئ حفظُه.
٢ — وصيَّةُ الشيخ: احفظوا المتن
٥٥:٢٤ والحقُّ أنه — يعني يا ليت أنكم كلَّكم تحفظون المتنَ، يكون إن شاء الله من النيَّة في الدراسة. وإنَّ الحفظ مهمٌّ جدًّا، خاصةً الأعمارَ الصغيرة الموجودة والشباب؛ مَن يستطيع الحفظَ فالحفظُ مهمٌّ جدًّا. الفهمُ طبعًا المهمُّ، لكن لك حفظٌ مع الفهم.
٥٥:٤٧ فحفظُك للمتن أنا أُريده، وأيضًا لو تستطيعوا أن تحفظوا متن «صفوة الزُّبَد» عندنا في المذهب — المتن مهمٌّ في الحفظ، احفظوه، هيساعدك وأنت تدرس معنا. مع المتن الذي هنا، أو واحدٍ من الاثنين لمن لا يستطيع؛ على الأقل دراسةً حفظُ المتن الذي معنا هنا: «غاية التقريب».
٥٦:٠٤ لأنه هيساعدك جدًّا في الاسترجاع: لو فهمتَ وغاب عنك، هتبني على الحفظ، هتأتي بالقطعة التي في المتن فتستطيع أن تسترجع وتبنيَ عليها.
٥٦:١٨ وقال: «ويَسهُلُ على المبتدئ حفظُه»، وإن شاء الله ممكن — حتى لو فيكم همَّةٌ في الحفظ والشباب — نعمل مجالس بعد كده جانبية، مجموعات، حتى حدٌّ يتولَّى الحفظ ويقول لنا عايز يُسمِّع، ونُخلِّي ناسًا تُسمِّع إن شاء الله. لكم المتون وتحفظوا، وهذه مهمةٌ جدًّا أن تَنْوِيَ ذلك مع البداية.
٥٦:٣٣ قال: «أي استحضارُه على ظهر قلبٍ لمن يرغب في حفظ مختصرٍ في الفقه».
٣ — الإكثار من التقسيمات وحصر الخصال
٥٦:٣٧ «وسألني أيضًا بعضُ الأصدقاء أن أُكثِرَ فيه» — يعني في المختصر — «من التقسيمات» للأحكام الفقهية.
٥٦:٤٩ وهذه ميزةٌ في هذا المتن: سيُقسِّم لك؛ يعني يقول لك: شروط الصلاة كذا، فرائض الصلاة كذا، أو أركان الصلاة كذا وشروطها كذا، فرائض الوضوء كذا وسُنَنُها كذا. يُعدِّد لك، ويُقسِّم ويُعدِّد، ويُعطيك أعدادًا؛ بحيث لما تحفظ تعرف — أركان الوضوء عندنا مثلًا وفرائضه ستٌّ، مع الموالاة قد تكون سبعًا على القديم — وتحفظ وهكذا.
٥٧:١٠ لما تحفظ العددَ مع التقسيم يَسهُل عليك جدًّا أن تَبنيَ عليه بعد كده التفاصيلَ.
٥٧:١٩ فلذلك قال: «ومن حصرِ» أي ضَبْطِ «الخصالِ الواجبةِ والمندوبةِ وغيرِهما»؛ يعني يقول لك: المندوبُ إيه؟ والواجبُ إيه؟ ويقول لك: المكروهُ إيه؟ والمحرَّمُ — وهو في المتن — فيُقسِّم لك ذلك.
٤ — «فَأَجَبْتُهُ … طَالِبًا لِلثَّوَابِ» — وقفةٌ مع النيَّة
٥٧:٣٣ «فأجبتُه إلى سؤاله» — جزاه الله خيرًا، رحم الله القاضي — «إجابتُه إلى سؤاله المتقدِّم».
٥٧:٤١ قال «طالبًا للثواب» من الله عز وجل، والأصل في ذلك: «إنما الأعمال بالنيَّات».
٥٧:٤٩ وأنا وأنتم نُجدِّد دائمًا نوايانا في مجالس العلم. يَشكر الله لكم حضورَكم، ومنهم من يأتي من مكانٍ بعيد، ويأتي مُتكلِّفًا، ويأتي في وقتٍ؛ ولكن هذا الأمر لا يُضيِّعه الله كذا، هذا له من الله عز وجل أجرٌ عظيم.
٥٨:٠٧ أنا لا أريد أن أسترسل في هذه المسألة — نُحبُّ أن نتكلم فيها كثيرًا — لكن أُذكِّركم أن تستحضروا دائمًا قدومَكم مجالسَ الذِّكر والعلم: الملائكةُ تَحُفُّكم وتَحُفُّنا جميعًا. بل الأشدُّ من ذلك والأعظمُ أجرًا: أنَّ الملائكة ستصعد بعد انتهاء المجلس بأسمائكم جميعًا ليطَّلع عليها ربُّ العالمين — والله يعلم كلَّ شيء، لكن انظر: اسمُك مُسجَّلٌ في صُحُف الملائكة، والله اطَّلع عليك أنك حضرتَ هذا المجلس، وكانت نيَّتك أنك تريد التفقُّه والتعلُّم والتعبُّد لله عز وجل، ثم نشرَ دين الله بعد ذلك وتعليمَ الناس.
٥٨:٤٠ فما أعظمَ هذه العبادات! أعظمُ العبادات على الإطلاق — والله أعلم — عند كثيرٍ من أهل العلم: طلبُ العلم.
٥٨:٤٤ لكن المشكلة في النيَّة؛ لأنَّ أولَ ثلاثةٍ يُسعَّر بهم النارُ — ثلاثةٌ على عِظَم أجرهم —: مُجاهدٌ، ومُتصدِّقٌ، وعالِمٌ قارئٌ للقرآن. يعني ما فيش أعظمُ من هؤلاء الثلاثة: أن تكون مجاهدًا وعالمًا ومُنفِقًا، ومع ذلك هم أولُ من تُسعَّر بهم النار. ليه؟ للنيَّة.
٥٩:٠٦ فلذلك الشيخ قال: «طالبًا للثواب» من الله؛ وهذا المقصود أننا نأتي لهذا الأمر. نسأل الله عز وجل أن يشرح صدورنا وقلوبنا ويُثبِّتنا على هذا الطريق؛ لأنه طريقٌ طويلٌ لكن الأجر فيه عظيمٌ عند الله عز وجل.
٥٩:٢٨ قال: «من الله جزاءً على تصنيف هذا المختصر». انظر: لا بدَّ لكلِّ هؤلاء كان لهم إخلاصٌ مع الله — لا نُزكِّي أحدًا على الله — لكن لما رجلٌ هذا المتنُ يعيش كلَّ هذه السنوات، ومن أكثر المتون قَبولًا في مذهب الشافعي: يعني ما تجد أحدًا يبتدئ دراسةَ المذهب الشافعي ويَغُضُّ الطرفَ عن متن «غاية التقريب» — لا يمكن، لا بدَّ سيدرسه. فهذا لما وضع هذا المتنَ وراجَى الثوابَ فاللهُ جعل له القَبولَ، حتى إنه يظلُّ مئاتِ السنوات ويُدرَّس إلى الآن.
٦٠:٠٢ وهذا يعني أنه لا بدَّ أنْ كان له فيه من الله عز وجل إخلاصٌ — والله أعلم، ولا نُزكِّي على الله أحدًا — لكن هذا علامةٌ على القَبول. ومن ذلك نُسُخُ مثلِ البخاري ومسلم وكتبِ الأعلام التي نقرأها الآن، وكتبِ السنة الستة التي بين أيديكم، وغيرها من كتب العلماء التي كتب الله عز وجل لها القَبولَ والدراسة.
٥ — هل كُتبت المقدمةُ قبل الكتاب أم بعده؟
٦٠:٢٣ قال: «راغبًا إلى الله سبحانه وتعالى في الإعانة من فضله على تمامِ هذا المختصر».
٦٠:٣١ إذن هذه دلالةٌ على أنه كتب المقدمةَ قبل الكتاب. أحيانًا — انتبه — بعض العلماء يُصنِّف أولًا، وبعدما يُصنِّف يكتب المقدمة ويُلحِقها بالكتاب؛ وبعض العلماء يكتبون المقدمة أولًا ثم يَشرَعون في التصنيف.
٦٠:٤٨ والظاهرُ أنَّ القاضيَ هنا كتب أولًا ثم شرع؛ لأنه قال بعد ذلك: «الإعانة من فضله على تمام هذا المختصر»، إذن هو كتب المقدمة وبدأ في التصنيف.
٦ — «إِنَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ» — تنبيهٌ عقديٌّ
٦١:٢٢ قال: «على تمام هذا المختصر، في التوفيق للصواب» وهو ضدُّ الخطأ أيضًا. «وإنه تعالى على ما يشاء» أي ما يُريد «قديرٌ».
٦١:٢٦ وهذه مسألةٌ قد نُعرِّج عليها في العقيدة: الصحيحُ أن تقول «على كلِّ شيءٍ قديرٌ» وليس «على ما يشاء قديرٌ». وإن كان لها مرجعيَّةٌ شويَّةً عند الأشاعرة وغيرهم، لكن المعنى صحيحٌ. لكن الصحيح أن نقول «على كل شيء قدير» وليس «على ما يشاء قدير»؛ فهو على ما شاء وما لم يشأ قديرٌ، وليس على ما شاء فقط قديرًا. ونُبيِّنها في العقيدة.
٦١:٤٩ قال: «قادرٌ، وبعباده لطيفٌ خبيرٌ بأحوال عباده». ثم ذكر استنباطَه من قوله تعالى ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ و﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾، فذكر اسمَ الله «اللطيف» و«الخبير» ومعانيَهما.
٦١:٥٩ كما قال: اللطيف: العالِمُ بدقائق الأمور ومُشكِلاتها، ويُطلَق بمعنى الرفيق بهم أيضًا؛ فالله تعالى عالِمٌ بعباده وبمواضع حوائجهم رفيقٌ بهم.
٦٢:٠٩ فهو ذكر الأسماءَ وتعبَّد إلى الله عز وجل بأن يدعوَ اللهَ أن يُوفِّقه للصواب، ثم أثنى على الله عز وجل بأسمائه وبصفاته التي ذكرها. ثم دخل بعد ذلك في كتاب أحكام الطهارة.
✍️ أسئلة على هذا المبحث
١. اذكر أوصاف المختصر التي ذكرها المصنِّف.
٢. ما الدليل على أن المصنِّف كتب المقدمة قبل التصنيف؟
٣. ما تنبيه الشيخ على قوله «على ما يشاء قدير»؟
٤. ما معنى «اللطيف»؟
٦كِتَابُ أَحْكَامِ الطَّهَارَةِ — معنى «الكِتاب» و«الباب»
١ — إعراب «كتابُ أحكامِ الطهارة»
٦٢:٣٨ قال: «كتابُ أحكامِ الطهارة» — يعني هذا كتابٌ لبيان أحكام الطهارة.
٦٢:٤٥ و«كتاب» ممكن تأتي مبتدأً أو تأتي خبرًا، مرفوعةٌ في الاثنين. والصحيح أن الأفضل أن تكون خبرًا لمبتدأٍ محذوف، تقديره: «هذا كتابٌ». وممكن تكون مفعولًا أيضًا لفعلٍ محذوف: «أُصنِّفُ أنا كتابًا» — بس طبعًا مش هتكون هنا مضمومة.
٢ — «الكِتاب» لغةً واصطلاحًا
٦٣:٢٤ قال: «الكتابُ لغةً مصدرٌ بمعنى الضمِّ والجمعِ»، والمادةُ «ك ت ب»؛ ومنها الكتيبة أيضًا — الكتيبة من الجند، التي هي مجموعةٌ من الجند. ويقال أيضًا: «تكتَّب الطلابُ» يعني اجتمع الطلابُ. فهي مادةُ «كتب» من الضمِّ ومن الجمع.
٦٤:٠١ قال: «واصطلاحًا: اسمٌ لجنسٍ من الأحكام».
٦٤:٠٥ أنت عندك: الكتاب، والباب، والفصل، والمبحث — سيأتي — والمسألة، والخاتمة. كلُّ هذه ستأتي.
٦٤:٢٢ وبمعنى: ممكن تقول «كتاب الطهارة» فيبقى أتكلَّم عن جنس الطهارة؛ سأتكلم عنها بعمومها، هتكلَّم بأبوابٍ وفصولٍ ومباحث، لكن كلّ ما يختصُّ بالطهارة. أو أقول «كتاب الفقه» فيبقى أتكلم عن أحكام الفقه فقط، أو «كتاب السنة» يبقى كتابٌ فيه الأحاديث. فهنا «الكتاب» يدلُّ على اسم جنس.
٣ — «الباب» و«الفصل» و«المسألة» و«الخاتمة» و«التَّتِمَّة»
٦٤:٥٠ قال: «أما الباب، فاسمٌ لنوعٍ مما دخل تحت ذلك الجنس». يعني لما يقول مثلًا «كتاب الطهارة» ثم يقول «باب المياه»، «باب الجلود»، «باب الأواني» — فيبقى صار دخل تحت الجنس بأبواب.
٦٥:١١ فتجد «الأواني» بحكم الأواني، «باب الجلود»، «باب المياه»؛ لأننا نتكلم عن الطهارة، وما يُتطهَّر به. التيمُّم: «باب التيمم» وأحكامه. فأصبح هنا كلُّها تحت جنس الطهارة؛ لأنك تحتاج آلةً في الطهارة: الأواني التي يُتطهَّر بها، والمياه التي يُتطهَّر بها، والتراب الذي في التيمم وغير ذلك.
٦٥:٣٠ فالبابُ هو النوع، والكتابُ هو الجنس؛ فالكتابُ تحته أنواعٌ.
٦٥:٤٣ وأصلُ «الباب» في اللغة: فُرجةٌ وفتحةٌ يُتوصَّل بها من الخارج إلى الداخل ومن الداخل إلى الخارج؛ الباب هذا فتحةٌ في الحائط، تدخل منها وتخرج منها، هذا في اللغة.
٦٥:٥٥ ثم يأتي الفصل، والفصلُ: الحاجز. وهو ما ذكرَهُش هنا، هو ذكر فقط الكتاب والباب، لكن ننتكلم — خاصةً أنَّ كتاب الطهارة بمعنًى ما فيهوش أبوابٌ، هو كلُّه فصولٌ؛ لو رجعتَ للكتاب ستجده فصولًا. وليس شرطًا أن يكون كلُّ كتابٍ فيه أبوابٌ.
٦٦:١٧ لكنه التقسيم الهرمي: كتابٌ، بابٌ، ثم فصلٌ. والفصلُ هو الحاجز بين الشيئين؛ يقول لك: «فاصلٌ بيني وبين جاري» — جدارٌ أو سورٌ. فهنا الفصلُ الحاجزُ بين الشِّقَّين.
٦٦:٣٣ طيب، وفي الاصطلاح؟ الفصل: اسمٌ لألفاظٍ مخصوصةٍ دالَّةٍ على معانٍ مخصوصة، مشتملةٍ غالبًا على مسائل.
٦٦:٤٥ يعني الفصل تلاقيه هنا يتكلم «فصلٌ في المياه»، ما قالش «بابٌ» هنا، دخل على الفصل؛ يعني قسمٌ لألفاظٍ مخصوصة، هيتكلم عن أشياء خاصة بالمياه، لذلك يشتمل على مسائل، هيتكلم عن مسائل تخصُّ المياه تحت هذا الفصل.
٦٧:٠١ فهو تقسيمٌ تحت الباب يكون فصلًا. وليس شرطًا أن يأتيَ بابٌ ثم فصلٌ؛ ممكن يأتي فصلٌ بعد الكتاب مباشرةً، وممكن بابٌ فقط وما فيش فصلٌ. لكن الترتيب دائمًا في البحث تجده: كتابٌ ثم بابٌ ثم فصلٌ.
٦٧:١٥ وبعضهم يُضيف أيضًا المسألة، تحت الفصل تكون مسألة؛ يقول لك «فصلٌ في مسائل» تحت الفصل. والمسألةُ من السؤال.
٦٧:٢٨ طيب ما المسألة عندنا في الشرع أو في الاصطلاح؟ المسألة: مطلوبٌ خَبَريٌّ يُبرهَن عليه في العلم.
٦٧:٤٥ يعني لو قلتُ الآن: «مسألة: الوِترُ مندوبٌ» — أثبتنا الندبَ للوِتر؛ الوترُ مندوبٌ يعني مستحبٌّ. طيب، ثبوتُ الندب للوتر هذا مطلوبٌ خَبَريٌّ يُقام عليه برهانٌ؛ لا بدَّ: أنا الآن قلتُ «الوترُ مندوبٌ»، فأصبح أني أخبرتُك بأنَّ الوترَ مندوبٌ، فلا بدَّ أن أُقيم برهانًا على ذلك من العلم: أُثبِتها بدليلٍ أو بآيةٍ أو بحديثٍ عنه ﷺ.
٦٨:٢٢ فإذن المسألة: مطلوبٌ خبريٌّ يُبرهَن عليه في العلم. وحتى المسائل غير الشرعية: تقول «الدواء ده مثلًا لكذا»، أو تُثبِت شيئًا في مادةٍ من المواد تُبرهِن عليها من العلم — هندسةً أو طبًّا أو غير ذلك.
٦٨:٣١ وأحيانًا تجد في الكتب بعد المسألة خاتمة؛ ستأتي معنا — حتى ما نُعيدها تاني، هتستفيده منه في الكتاب — يقول لك «خاتمة»، والخاتمة أي آخر الشيء: يقول لك «خاتمة الفصل»، «خاتمة الكتاب»، ويكتب تحتها أشياء كأنه يَختِم بذلك.
٦٨:٥٤ وفيه تَتِمَّة — قيِّدوها أيضًا — بمعنى: ما يُتمَّم به الكتابُ أو البابُ، وهي قريبةٌ من الخاتمة؛ يعني كأنه ممكن ما تلاقيش الخاتمةَ وتلاقي تَتِمَّةً: يجد أنَّ فيه أشياءَ ناقصةً يحتاج أن يُضيفها، فيقول لك «تتمَّة» ويُضيف هذه الأشياء.
٤ — الطَّهارة لغةً: النظافة الحسيَّة والمعنويَّة
٦٩:٢٠ ثم دخل: «في الفقه، والطَّهارة — بفتح الطاء — لغةً: النظافةُ. وأما شرعًا ففيها تفاسيرُ كثيرة، منها قولهم: فِعلُ ما تُستباح به الصلاةُ، أي من وضوءٍ وغُسلٍ وتيمُّمٍ وإزالةِ نجاسةٍ. أما الطُّهارة بالضم فاسمٌ لبقيَّة الماء. ولمَّا كان الماءُ آلةً للطهارة استطرد المصنِّفُ لأنواع المياه».
٦٩:٥٧ طيب، يبقى معنا الآن عندك: طَهارة وطُهارة وطِهارة؛ بفتح الطاء وبضم الطاء وبكسر الطاء.
٧٠:١٠ أولًا: الطَّهارة في اللغة بمعنى النظافة — يعني النظافة من الأقذار. والأقذار قد تكون طاهرةً، كالبُصاق أو المُخاط، وهذه حسيَّة؛ أو تكون نجسةً غيرَ طاهرة، أيضًا من القَذارة.
٧٠:٣٤ وقد تكون حسيَّةً، وقد تكون معنويَّةً — كالدَّنَس والعيوب والحقد والحسد.
٧٠:٤٦ إذن الطهارة في اللغة: النظافة؛ نظافةٌ حسيَّةٌ أو نظافةٌ معنويَّة. والحسيَّةُ: إما من شيءٍ حسيٍّ طاهرٍ لكنه مُستقذَرٌ كالبُصاق والمخاط، أو شيءٍ حسيٍّ غيرِ طاهرٍ نجسٍ كالبول — عزَّكم الله — والغائط وغيره. وقد تكون الطهارةُ معنويَّةً كما قلنا من الأمراض القلبية. والذي يَعنينا الحسيَّةُ الآن التي ستكون معنا في هذا الباب.
- من مُستقذَرٍ طاهر: البُصاق، المخاط
- من نجسٍ: البول، الغائط
- من الدَّنَس والعيوب
- من الحقد والحسد وأمراض القلوب
٥ — الطهارة شرعًا: العينيَّة والحُكميَّة
٧١:٢١ أما شرعًا — يعني الطهارةُ عند أهل الشرع عند الفقهاء — قال: «ففيها تفاسيرُ كثيرة»، يعني فيها تعريفاتٌ كثيرةٌ مختلفة، وهو اختار تعريفًا وفيه نظرٌ سنُبيِّنه.
٧١:٤٩ أولًا: نحن قلنا في اللغة — عند أهل اللغة — حسيَّةٌ ومعنويَّة، صحيح؟ أما الطهارة عندنا في الفقه فـطهارةٌ عينيَّةٌ وطهارةٌ حُكميَّةٌ.
٧٢:١٢ ما الطهارة العينيَّة؟ لما الإنسان — عزَّكم الله — يكون عند محلِّ السبيلين نجاسةٌ موجودة، فالنجاسة الموجودة هذه في هذه العين ولم تتجاوز هذا المحلَّ — يعني موجودةٌ في محل السبيلين فقط بعد قضاء الحاجة ويحتاج أن يتطهَّر.
٧٢:٣٤ فإذن العينيَّة: التي لم تتجاوز محلَّ حلولِ مُوجِبِها؛ يعني النجاسةُ الموجودة في هذا الموضع ولم تنتقل، تُسمَّى نجاسةً عينيَّةً في هذا المحل؛ لأنها لم تتعدَّ، هي في محلٍّ يَخرُج منه النجاسات وهي على هذا المحل. والذي يجب هنا غَسلُ محلِّها فقط.
٧٣:٢٢ أما الحُكميَّة فهي التي جاوزت محلَّ حلولِ الوجوب. الآن لما خرج شيءٌ من السبيلين — أيُّ شيء، ريحٌ — قلنا: انتقض الوضوءُ أم لا؟ طيب المطلوب إيه؟ وضوءٌ، صحيح؟ هذه الطهارة الحُكميَّة.
٧٣:٥٣ لما أنا قلتُ لك توضَّأ، أنت تتوضَّأ لشيءٍ خرج من السبيلين، دي يُسمُّونها طهارةً حُكميَّة. مالهاش علاقةٌ بالمحل الذي خرج منه الآن خلاص: خرج ريحٌ انتقض الوضوءُ، فقلتُ لك توضَّأ. وهل له علاقةٌ بمحل النجاسة؟ لا؛ أنت هتغسل دلوقتي وجهَك ويديك ورأسَك ورجليك. فهذه طهارةٌ حُكميَّة: جاء الحكمُ في الشرع بأن تتطهَّر بهذه الصورة إذا خرج شيءٌ من السبيلين.
٧٤:١٨ دي اسمها الطهارة الحُكميَّة. أو خرج المنيُّ وأنت نائمٌ أو بالجماع، فواجبٌ عليك الغُسلُ بالماء كلِّه — دي اسمها طهارةٌ حُكميَّة. ليه حُكميَّة؟ لأنه تعدَّى موضعَ النجاسة العينيِّ؛ طلب منك الشرعُ أن تغتسل بطريقةٍ ما أو تتوضأ، فأصبحت طهارةً حُكميَّة. والطهارةُ العينيَّة أن أُنظِّف محلَّ النجاسة العينيِّ لا أتجاوزه، هذا المطلوب مني.
| الطهارة | الضابط | المطلوب | المثال |
|---|---|---|---|
| عَينيَّة | النجاسة لم تتجاوز محلَّ حلولِ مُوجِبها | غَسلُ محلِّ النجاسة فقط | نجاسةٌ على محل السبيلين بعد قضاء الحاجة |
| حُكميَّة | النجاسة جاوزت محلَّ حلولِ الوجوب | وضوءٌ أو غُسلٌ كاملٌ لا علاقةَ له بمحل الخروج | خروجُ الريح ← وضوء / خروجُ المنيِّ ← غُسل |
✍️ أسئلة على هذا المبحث
١. عرِّف الكتابَ والبابَ والفصلَ والمسألةَ اصطلاحًا.
٢. ما الفرق بين الخاتمة والتَّتِمَّة؟
٣. ما الطهارةُ لغةً؟ وما أقسامها؟
٤. فرِّق بين الطهارة العينيَّة والحُكميَّة بالضابط والمثال.
٧تعريفُ الطهارة شرعًا، وتعريفُ النوويِّ، وترتيبُ كتب الفقه
١ — «فِعْلُ ما تُستَباحُ به الصلاةُ» — وما فيه من نظر
٧٧:٢٢ قال: «فِعلُ ما تُستباح به الصلاةُ». كأنه زوالُ المانعِ المترتِّبِ على الحَدَث.
٧٧:٤٧ لكن النظرُ في التعريف: أنه تعريفٌ خاصٌّ بالطهارة الواجبة فقط، مش المندوبة.
٧٨:٠٥ يعني التعريف ده «فِعلُ ما تُستباح به الصلاة» — قالوا: هذا الغَسلةُ الأولى في الوضوء، الواجبة. فيبقى لما قالوا «تُستباح به الصلاة» فالغَسلةُ الأولى هي التي دخلت في التعريف، فالغَسلة الثانية في الوضوء والغَسلة الثالثة ما دخلتْش في التعريف.
٧٨:٣٠ طيب، غُسلُ الجمعة ما دخلش في التعريف؛ لأنه ما استُبيحت به الصلاةُ — وضوءُك يكفيك. لأنه هو طهارةٌ أيضًا. وكذلك لو قلنا بالتجديد — كما قلتَ أنت الآن.
٧٨:٥١ إذن هنا لما قال «فِعلُ ما تُستباح به الصلاةُ» يقصد في هذا التعريف الطهارةَ الواجبةَ دون المندوبة. لذلك العلماء قالوا: هذا التعريفُ فيه نظرٌ، مش تعريفًا جامعًا. لا بدَّ أن تعرفوا أنَّ التعريف لا بدَّ أن يكون جامعًا؛ لما أُعطيك تعريفًا يعني يجمع تحته كلَّ ما يخصُّه.
٧٩:١٥ فقالوا: التعريفُ ده عندنا فيه نظرٌ؛ لأنه كأنه عرَّف الطهارةَ الواجبةَ ولم يُعرِّف الطهارةَ المندوبة. وهذا ليس في الوضوء والغُسل فقط، حتى في إزالة النجاسة: عندك غَسلةٌ أولى وثانيةٌ وثالثة، ممكن تُزيل النجاسة بالأولى ثم تزيد ثانيةً وثالثةً، فهذا ما دخلش في التعريف. لأن الطهارة إزالةُ الحدث — كما سيأتي — أو إزالةُ النجاسة أو رفعُ الحدث، كلُّ دي طهارة. فيبقى برضه في التعريف ده اقتصر على الواجب فقط، وده فيه نظر.
٢ — ما الذي يُسأل عنه في الامتحان؟ (تنبيه الشيخ)
٧٩:٤٨ طيب، ما الأفضل؟ تعريفُ النوويِّ — وده الذي تحفظونه، مع أنَّ تعريفَ المذهب بيَّنَّه؛ عشان احتمال السؤال يجيء في تعريف المذهب.
٧٩:٥٣ الامتحانُ في الكتاب: أنا أُحاسبك على متن الكتاب وشرح الكتاب، مش على الخارج. عشان تكونوا متَّفقين وفاهمين: الامتحانُ على الكتاب نفسه، يعني على المتن والشرح الذي هو «فتح القريب». ففي زياداتٍ أنا أقولها لكم، لكن أنا مش بحاسبك عليها، إنما أنا بأدُلُّك على عِلمٍ تأخذه.
٨٠:١٤ لما أجيء أسألك هسألك على المتن والشرح؛ الزياداتُ أنا بس بقول عنها لكن أنت بتاخدها عِلمًا، عشان نبقى فاهمين. لأنه لو أنا اشترطتُ عليك وقلتُ لك: خُد بالك أنا هقول لك تعريف النووي مثلًا، فجائزٌ تكتبه، بس عَيبُها… لكن حسابُك على ما أقول لك: تعريفُ الكتاب وقولُك «فِعلُ ما تُستباح به الصلاةُ» هتقول لي صح.
٨٠:٥٣ لما أجيب لك اختياراتٍ وأقول لك: تعريفُ الطهارة «فِعلُ ما تُستباح به الصلاةُ» — لأنه الذي عندك في الكتاب — هتُعلِّم لي صح. لو جبتُ لك تعريفاتٍ تانيةً مش بتاعة الكتاب، ما تُعلِّمش عليها. لأنَّ عايزك تَضبُط الكتاب؛ الزياداتُ دي مسألةٌ أخرى من الكلام معنا، لكن دي بقى أنت ضبطتَ الكتاب.
٣ — تعريف النوويِّ للطهارة (الزيادة)
٨١:٢٣ تعريفُ النووي: «رَفْعُ حَدَثٍ، أو إزالةُ نَجَسٍ، أو ما في معناهما، أو على صورتهما» — أربعةُ أشياء. انتبه عشان فيه شرحٌ فيه.
١) رَفْعُ حَدَثٍ
٨١:٤٨ «رفعُ حدثٍ» معروف: الطهارةُ برفع الحدث؛ انتقض الوضوءُ فتتوضَّأ، أو تغتسل: الغُسلُ والوضوء.
٢) إزالةُ نَجَسٍ
٨١:٥٥ «إزالةُ نَجَسٍ»: عينِ النجاسة في مكانٍ وموضع، كالاستجمار، كالاستنزاه من البول، كغير ذلك. هذه واضحة.
٣) أو ما في معناهما
٨٢:١٣ ما الذي في معنى رفع الحدث؟ التيمُّم. طبعًا ليه؟ لأننا نرى في المذهب أنَّ التيمُّم مُبيحٌ للصلاة وليس رافعًا للحدث؛ ولذلك يُعتبر أن التيمُّم مش رافعًا للحدث، هو مُبيحٌ. ليه؟ قالوا: لأننا لو وجدنا الماءَ بطل التيمُّمُ، فهذا الذي هو مش رافعًا. فهذا عملُنا المذهبَ.
٨٢:٥١ فلذلك قال «ما في معناهما»: التيمُّم، أو وضوءُ صاحبِ الضرورة — نعم، لأن عنده حدثًا مستمرًّا، سَلَسٌ وغيره؛ وضوءُ صاحب الضرورة. طيب ده الذي في معنى رفع الحدث.
٨٣:٠٩ طيب، في معنى إزالة النَّجَس عندنا الاستجمارُ بالحجارة: ليست إزالةَ نَجَسٍ [على الحقيقة]؛ أنت بتشيل العين ويبقى الأثرُ، بتُخفِّف عندنا، لكن الشرعَ قبِلها. لأنَّ أنت عندك في إزالة النجاسة: إما بالماء، أو بالحجارة، أو بالاثنين معًا. أما الحجارةُ مستقلَّةً — فالماءُ أفضلُهم، بيُزيل العينَ والأثرَ، والحجارةُ حقيقةً هي بتُزيل العينَ ويظلُّ فيها أثرٌ. لكن هو قال «في معنى إزالة النجس»: والاستنجاءُ بالحجر هو يُبيح الصلاة بعد الاستجمار.
٨٣:٤٧ لأن الشرع جاء بالإباحة؛ لأنَّ العربَ كان الماءُ قليلًا ومش بوجودٍ، وممكن ما تلاقهوش كمان في السفر، فالحجارة تُزيل لك العينَ ويتبقَّى الأثرُ اليسيرُ المعفوُّ عنه.
٤) أو على صورتهما
٨٤:٠٧ قال: «أو على صورتهما». إيه الذي على صورة رفع الحدث؟ الغُسلُ المندوب؛ لأنك حدثُك تُرفَع في الواجب، لكن فيه غُسلٌ مندوب: أنا رحتُ الآن اغتسلتُ للعيدين، اغتسلتُ للجمعة، اغتسلتُ من الأغسال المسنونة عندنا مثلًا للاجتماع لأيِّ شيء — فده غُسلٌ مسنونٌ، ده الذي في صورة رفع الحدث الواجب.
٨٤:٤٧ وقال «في صورتهما» عشان يَدخُل الإشكالُ الذي كان عند المؤلف لما قال «يُستباح به الصلاةُ» فقط؛ فأراد هنا النوويُّ أن يُدخِل ما فيه صورتُهما: يعني الغُسلُ المندوب يدخل، وأيضًا الوضوءُ لكل صلاةٍ وأنت على وضوء — وضوءٌ على وضوء — هيدخل في ذلك أيضًا. والغَسلةُ الثانية والثالثة في الوضوء، لأن دي مستحبَّة، فتدخل على هذه الصورة.
٨٥:١٦ فيبقى دي صورةُ رفع الحدث. وعلى إزالة النَّجَس التي بصورتها: الغَسلةُ الثانية والثالثة في إزالة النجاسات. أنت لو أزلتَ النجاسة — وطبعًا ده في غير الكلب، فإنَّ الكلبَ عندنا سبعٌ لا بدَّ، سيأتي الكلام عنها — لكن النجاسات العادية لو بأولِ غَسلةٍ أُزيلت، فيبقى الثانية والثالثة دي مندوبة.
- الوضوء
- الغُسل
- إزالة عين النجاسة بالماء
- الاستنزاه من البول
- التيمُّم (مُبيحٌ لا رافع)
- وضوء صاحب الضرورة (السَّلَس)
- الاستجمار بالحجر
- الغُسل المندوب (الجمعة، العيدان)
- الوضوء على الوضوء
- الغَسلة الثانية والثالثة في الوضوء وفي إزالة النجاسة
٤ — ما تُستباح به الصلاةُ أربعة
٨٥:٤٩ هو قال هنا: «فِعلُ ما تُستباح به الصلاةُ». إيه هو الذي تُستباح به الصلاة؟ قال: وُضوءٌ وغُسلٌ وتيمُّمٌ وإزالةُ نجاسةٍ — أربعُ حالاتٍ تحفظهم.
٨٥:٥٧ ما يُستباح به الصلاةُ: وضوءٌ وغُسلٌ وتيمُّمٌ، ثلاثةٌ دول؛ لو حدثٌ أكبرُ فغُسلٌ، وحدثٌ أصغرُ فوضوءٌ، ومفيش ميَّةٌ فتيمُّمٌ. ثم استباحةُ الصلاة بإزالة النجاسة التي على البدن والثوب والمكان. الأربعةُ دول هم ما تُستباح به الصلاةُ.
٨٦:١٠ فهذه مقاصدُ الطهارة. أما وسائلُ الطهارة فهي: الماءُ والترابُ وحجرُ الاستنجاء والدابغُ — سيأتي معنا في الفصول.
٥ — لماذا بدأ بكتاب الطهارة؟ ترتيبُ أرباع الفقه
٨٦:٣٤ الفقهُ عمومًا عندنا أربعةُ أرباع؛ متونُ الفقه وكتبُ الفقه كلُّها:
٨٦:٤٦ أولُ ربعٍ اسمه ربعُ العبادات، يُذكر فيه دائمًا العباداتُ الواجبة التي جاءت بحديث «بُنِي الإسلامُ على خمس»: الصلاة والزكاة والصوم والحج. وأحيانًا بعضُ العلماء في المتون يُضيف بعضَ العبادات الأخرى: يُضيف لك مثلًا الأيمانَ والنذورَ، والجهادَ يجعله مع العبادات يُلحِقه، والبعضُ يُخرِجه.
٨٧:١٤ ثم العلماء قالوا: إنَّ أفضلَ أنواع العبادات على الإطلاق — طبعًا فيه خلافٌ ما بين الصلاة والحج، وبعضهم قدَّم الحجَّ على الصلاة، لكن المتَّفق عليه أنَّ الصلاة أعظمُ من الحج — فيبدأ بأول شيءٍ في الصلاة.
٨٧:٢٥ ولمَّا كانت الصلاةُ عمادَ الدين، وما تُستباح به الصلاةُ لا بدَّ فيها من الطهارة، فيأتي بالطهارة: «كتاب الطهارة» يبدأ به قبل الصلاة؛ لأنها هي التي تؤدِّي إلى الصلاة، وسيلةٌ للصلاة هي الطهارة. فلذلك بدأ معنا بكتاب الطهارة.
٨٧:٤٦ وبما أنه سيُريد الطهارةَ، فالذي يُتطهَّر به: الماءُ والترابُ والحجرُ؛ لذلك ستجد يتكلم عن المياه بعد ذلك هنا، والأواني التي تُستخدم في وضع الماء فيها، ثم يتكلم عن التراب — هيتكلم عن التيمُّم.
٨٨:٠١ هيتكلم عن المياه أولَ شيء، ثم يأتي بالأواني؛ ليه؟ لأن الماء بيُوضَع في أوانٍ. وكانت أكثرُ الأواني عندهم من الجلود، فكأنه يتكلم عن طهارة الجلد الذي يُوضَع فيه، لأن الماء هيتطهَّر ولا يكون نجسًا.
٨٨:١٤ فالترتيبُ ده لكلِّ الكتب مقصودٌ: أنه بدأ أولًا بالعبادات، وأعظمُ العبادات الصلاةُ، فما يُوصِّل للصلاة هي الطهارة، والطهارةُ أولُ شيءٍ يُتطهَّر به على الأول الماءُ، ولو نُعدِم الماءُ فالترابُ والحجر، ويحتاج الماءُ لأوانٍ. فتجد التسلسلَ هذا موجودًا في الكتاب وأغلبِ كتب الفقه، مش المذهب فقط، بل المذاهب الفقهية تتكلم عن ذلك.
٨٨:٥٠ ثم بعد ذلك ما فيه من المعاملات، وفيه بعد كده الأخلاقُ والجناياتُ في الآخر؛ فالعباداتُ والمعاملاتُ، ثم الأسرة التي هي الطلاقُ والنكاح، والربعُ الهدفُ الخاصُّ بالأحكام — هذه الأربعة.
٦ — الطُّهارة بالضم والطِّهارة بالكسر
٨٩:١٧ ثم قال: «أما الطُّهارة بالضم»… ماشي، ناخد الطُّهارة قبل الطِّهارة. الطُّهارة بالضم هو قال: اسمٌ لبقيَّة الماء؛ لو أنت توضَّأتَ واتبقَّى ماءٌ، الماءُ المتبقِّي هذا يُسمَّى طُهارةً.
٨٩:٣٣ طيب، الطِّهارة [بالكسر]: لو أنا جبتُ ماءً ووضعتُ فيه سِدْرًا، صابونًا، شامبو، وتنظَّفتَ به — ده يُسمَّى طِهارةً؛ وضع فيه ماءً، وضع فيه مادَّةً مع الماء من باب التنظيف — يُسمَّى الطِّهارة بكسر الطاء. طبعًا القديمة كان يضع السِّدْر، وأنت ممكن أن تقول الصابون والشامبو، الأشياءَ مثلَ هذه مع الماء؛ هذه تُسمَّى طِهارةً.
٩٠:٠٨ والطَّهارة التي بيَّنَّاها، والماءُ سيتكلم عنه الآن أنواعَه. والطُّهارة: ما تبقَّى لك من الماء الذي استخدمتَه، فَضْلُ الماء الذي استخدمتَ منه الوضوء؛ لذلك قال «اسمٌ لبقيَّة الماء» يعني ما فَضَل من الماء، الذي في الإبريق أو في الكوب أو شيءٍ من ذلك.
| الضبط | اللفظ | المعنى |
|---|---|---|
| بفتح الطاء | الطَّهَارَة | النظافةُ لغةً، وفِعلُ ما تُستباح به الصلاةُ شرعًا |
| بضم الطاء | الطُّهَارَة | اسمٌ لبقيَّة الماء — ما فَضَل بعد الوضوء |
| بكسر الطاء | الطِّهَارَة | ما يُوضَع مع الماء للتنظيف: السِّدْر، الصابون، الشامبو |
٧ — معنى «استطرد المصنِّفُ لأنواع المياه»
٩٠:٢٨ «ولمَّا كان الماءُ آلةً للطهارة استطرد المصنِّفُ لأنواع المياه».
٩٠:٥٢ الاستطرادُ معناه: ذِكرُ الشيءِ في غير محلِّه لمناسبةٍ. أنا أتكلم معك في موضوعٍ ثم أستطرد في حاجةٍ أخرى مش في المحلِّ، لكن ممكن تكلَّمتُ فيها لمناسبة المحلِّ الآن؛ أريد أن أُبيِّن لكم صورةً معيَّنةً. ده اسمه الاستطراد.
٩١:١٤ والغريبُ أنه قال «ولمَّا كان… استطرد المصنِّفُ لأنواع المياه»، طب هذا في محلِّه! فليه يقول الاستطراد؟
٩١:٢٣ لذلك الفقهاءُ بعدهم قالوا: لعلَّه يقصد «استطرد» هنا أي ذَكَرَ؛ مش المقصود بالمعنى الذي قلناه. «استطرد» يعني ذَكَرَ أنواعَ المياه، وليس المعنى الأصليَّ للاستطراد. فبعضُهم أخذ عليه الكلمة؛ لأن الاستطراد يكون ذِكرَ الشيء في غير محلِّه لمناسبةٍ، ونحن في محلِّه الآن وهو المياه. فقالوا: إذن لعلَّها تُحمَل على مُطلَق الذِّكر فقط.
✍️ أسئلة على هذا المبحث
١. عرِّف الطهارةَ شرعًا كما في الكتاب، وما وجهُ النظر فيه؟
٢. اذكر تعريف النوويِّ بأقسامه الأربعة مع الأمثلة.
٣. لماذا كان التيمُّمُ «في معنى» رفع الحدث لا رفعًا له؟
٤. ما مقاصدُ الطهارة؟ وما وسائلُها؟
٥. لماذا بدأ المصنِّفُ بكتاب الطهارة؟
٦. اضبط «الطهارة» بالحركات الثلاث مع المعنى.
٨مقدِّمةُ المجلس: لماذا نقف عند كلِّ كلمة؟
١:١٨ أُشير أولًا إلى مسألةٍ: بعض الشباب سألوا، أو قالوا: الشيخُ يقف على كل كلمةٍ في المتن وفي الشرح، يعني يأخذ كلمةً كلمةً. وكانوا في نوعٍ من الاستعجاب أننا نقف على كل كلمة.
١:٣٦ مسألةُ تدريس الفقه المذهبيِّ لا بدَّ له من أصول. لما نقول إننا سنشرح متن «الغاية والتقريب»، فيبقى أنا مَعنيٌّ بالمتن فقط: أقرأ المتن، وكلَّ كلمةٍ في المتن أشرحها. حينئذٍ لما أنت تقول: «أنا درستُ متنَ الغاية والتقريب مع الشيخ» يعني درستَ كلَّ كلمةٍ فيه ووفَّيته.
٢:٠٢ ولما نقول: نحن سندرس شرحَ متنِ الغاية والتقريب، و«فتحُ القريب» معنا — فيبقى نَقِفُ عند المتن وعند شرح المتن. إذن معناه لا بدَّ أن أقرأ قولَ الشارح الذي يشرح فيه المتن، ونُمسِك كلمةً كلمةً أيضًا نشرح. حينئذٍ أقول: «أنا درستُ كتاب فتح القريب مع الشيخ».
٢:٢٤ هذا المعتمدُ في دراسة الكتب عمومًا، لما تُدرَّس بطريقةٍ منهجية: ما دُمنا قلنا «متن» ندرس كلماتِ المتن، وقلنا «شرح» ندرس كلماتِ الشرح.
٢:٣٦ وفي دراسةٍ أخرى تُسمَّى الشرحَ الموضوعيَّ: يعني إحنا بنتكلم الآن عن المياه، أقرأ لك المتنَ، لكن لمَّا أتكلم أشرح لك أقسامَ المياه وأنواعَ المياه، لا أتقيَّد لا بالشرح ولا بالمتن. هذا بعضُ أهل العلم أو بعضُ الشيوخ يلجأون إليه؛ أنه لا يتقيَّد، لكن لا بدَّ أن يَقبَل الطلبةُ قبلها: أنا سأشرح شرحًا موضوعيًّا لا أتقيَّد بالألفاظ سواءٌ المتن أو الشرح. ولكنَّ هذا لا يُسمَّى أنَّ الطالب درس المتنَ كلمةً كلمةً ولا الشرحَ؛ يُقال: درس دراسةً موضوعيةً فقط، وهذا ليس مقصودًا في الدراسة.
٣:١٤ فالصحيحُ عند من يَدرُس كتبَ الفقه المذهبية أنه يدرسها: لو قرَّرنا المتنَ فيبقى المتنُ فقط الذي أنا مُلزَمٌ به؛ ولو قرَّرنا شرحًا فأنا مُلزَمٌ بالشرح مع المتن.
٣:٣٤ لأنَّ المؤلِّف له أمورٌ يقصدها، والشارحَ له أمورٌ يقصدها؛ فالشيخُ لما يشرح يُبيِّن مقصدَ كلٍّ من الماتن والشارح. لذلك نحن ندرس الدراسةَ المتَّفقَ عليها في المذهب الشافعي، بل في كل المذاهب: أنك لما تقول إنك درستَ كتابًا معيَّنًا وتقول إنك درستَه، فيبقى درستَ ألفاظَ الكتاب.
٣:٥٦ لذلك ستجدوني أنا أَقِفُ على كل كلمةٍ سواءٌ في الماتن أو في الشرح، لو لها أشياءُ لا بدَّ أن أشرحها. هذه هي الطريقة الصحيحة في مسألة دراسة المتون وشروح المتون.
تنبيهٌ ثانٍ: فرقُ الطبعات
٤:٠٨ البعضُ يقول: الشيخ يشرح من طبعةٍ غير طبعتنا! حتى لو معي طبعةٌ غير الطبعة التي معكم، لكن المتن والشرح واحدٌ عندكم وعندي.
٤:١٩ بعضُ الإخوة والشباب يقول: أنا عندي شيءٌ ليس عندكم. لا؛ إنما أنا أشرح زيادةً ليست في المتن ولا الشرح أصلًا — ده شرحي. يعني أنا أقرأ المتن وشرح «فتح القريب» ثم أشرح. فعندي زياداتٌ أنا أُضيفها لكم، هذه تجدونها إما في الحواشي أو في شروحاتٍ أقرؤها لأهل العلم لهذا الكتاب مثلًا. لكنها ليست فرقَ طبعات. الطبعةُ لا تؤثِّر معك في المتن؛ هي واحدةٌ والشرحُ واحدٌ.
- الالتزام بكل كلمةٍ في المتن
- فيُقال: «درستُ متن الغاية والتقريب»
- كلُّ كلمةٍ في المتن وفي شرحه
- فيُقال: «درستُ فتح القريب»
- الكلام في الموضوع بلا تقيُّدٍ بألفاظ المتن والشرح
- لا يُقال معه: درس الكتابَ، بل درس دراسةً موضوعية
٩المِياهُ التي يَجُوزُ التَّطهيرُ بها سَبْعُ مِياهٍ
١ — لماذا قال «المياه» ولم يقل «المائعات»؟
٦:٢٢ لما قال «المياه» — من المبادئ هنا قبلها: نتكلم عن الطهارة وذكر المياهَ فقط — كان يريد أن يقول لك إنَّ المياهَ فقط من المائعات هي التي يجوز التطهُّر بها؛ لأنَّ غيرَ المياه من المائعات لا تجوز الطهارةُ به.
٦:٤٥ فمَن استعمل غيرَ المياه — جاب عصير قصب، أو شربات عند غير المصريين — وتوضَّأ بها أو اغتسل بذلك، فهذا تقرُّبٌ بما ليس موضوعًا للتقرُّب به؛ لأنَّ الطهارة في الغُسل والوضوء لا تجوز إلا بالماء. بل هذا يُعدُّ تلاعبًا، إلا لو كان جاهلًا.
٧:٠٨ وطبعًا هذا قولُ الجمهور، خلافًا للأحناف الذين يرون أنَّ غيرَ الماء من المائعات ممكن يُتوضَّأ به. لكننا نتكلم هنا: واحدٌ عايز يتوضَّأ، ما وجد، زجاجةُ عصيرٍ ومفيش مياه؛ قال لي: يجوز أن يتوضَّأ بالعصير؟ لا يجوز؛ لأنَّ الماء هو الذي جُعِل شرطًا للطهارة به. طبعًا الترابُ بديلٌ عنه، سيأتي التيمُّم.
٧:٤٥ وهذا يدلُّ على أنَّ اختصاصَ الطهارة بالماء تعبُّديٌّ.
٢ — معنى «تعبُّديٌّ» ولِمَ خُصَّ الماءُ بالطهورية؟
٨:٣٥ «تعبُّديٌّ» يعني لا يُعقَل معناه. يعني: لماذا شرَع الله عز وجل لنا الماءَ فقط؟ ما كان ممكن العصيرُ ينفع؟ إيه المشكلة؟ إيه الفرق بين الماء والعصير؟ الشربات تمشي؟ الزيت تتوضَّأ به؟ فيبقى نقول: تعبُّديٌّ.
٨:٤٩ لما أقول لك شيءٌ تعبُّديٌّ، إذن لا يُعقَل معناه؛ لأن فيه شيئًا يُعقَل معناه ممكن نقيس عليه، وفيه شيءٌ لا يُعقَل معناه — دائمًا تجد الفقهاء يقولون لك: تعبُّديٌّ نفعله تعبُّدًا.
٨:٥٨ زيَّ ما أنت بتصلي الظهر أربعَ ركعات، ليه؟ تعبُّدًا؛ جاءك النصُّ بالأربع، ما فيش فيها «طب ليه المغرب ثلاثة والصبح اثنان، وتيجي في الظهر والعصر والعشاء أربعة؟» — تعبُّديٌّ.
٩:١٣ فلما يقول لك «تعبُّديٌّ» كأنَّ الفقيه يريد أن يقول: ما وجدنا العلَّة في اختصاص الماء، أو العلَّةَ المناسِبة، أو الحكمةَ ليست قويَّةً؛ لذلك يقول: اختصاصُ الماء بالطهورية تعبُّديٌّ لا يُعقَل معناه — يعني لا نفهم حكمته. وفي حكمةٌ أكيدٌ، لأن ربَّنا الشارعَ لا بدَّ وَضَعَ حكمةً في كل شيء، لكننا لم نفهم الحكمة في الماء فقط أنه يُتوضَّأ به.
٩:٣٧ وبعضهم قال — وقيل — إنه معقولُ المعنى. يعني بعض الأصحاب عندنا قالوا معقولُ المعنى، ليه؟ قالوا: لأنَّ الماءَ حوى اللطافةَ والرِّقَّةَ التي لا توجد في غيره؛ يعني لما جبتَ الماء تجد أن فيه لطافةً، كده رقَّةً خفيفةً، بخلاف أيِّ مائعاتٍ أخرى. ولذلك لا يُقاس عليه غيرُه، لا تجد مثلَ الماء حتى تقيس عليه.
١٠:٠٣ وهذا قولٌ ضعيفٌ. لما أقول «قيل» — اسمعوا كده، ما أقول دائمًا «قيل» — فيبقى القولُ ده ضعيفٌ في المذهب. لما تقرؤه في الكتب «قيل» فيبقى ده قولٌ ثانٍ أو وجهٌ ثانٍ في المذهب، لكن ليس معتمدًا، ضعيفٌ.
١٠:١٧ لكنَّ الصحيحَ عندنا أنَّ حكمة الطهارة بالماء فقط لا تُعقَل معناها، هي تعبُّديَّةٌ فقط.
٣ — «يَجُوزُ» أي «يَصِحُّ»: لماذا فسَّرها بالصحة لا بالحِلِّ؟
١٠:٣٦ معنى «الجواز»: إما يُقصد به الحِلُّ، أو يُقصد به الصحَّة.
١٠:٤٨ الجوازُ في الفقه إما يُفسَّر بالصحة: أقول لك «تجوز الصلاةُ في ثوب كذا»، أو «تجوز الصلاةُ في انحرافٍ قليلٍ عن القِبلة» — فيبقى هنا تصحُّ الصلاة. أو الجوازُ يأتي بمعنى الحِلِّ: يعني «تجوز هذه المعاملة» يعني تَحِلُّ هذه المعاملة أنك تفعلها.
١١:١٩ طيب، هو هنا بعدما قال «يجوز» قال «أي يصحُّ». طب ليش ما قالش «أي يَحِلُّ»؟
١١:٣٠ لأنك لو توضَّأتَ الآن بماءٍ مغصوب: طلعتَ برَّه ولقيتَ واحدًا عنده ميَّةٌ، رحتَ داخلًا مُكسِّرًا عليه البيتَ، رحتَ مُكتِّفَه، ورُحتَ تأخذ منه الميَّة بتاعته بالعافية، وصببتَ الماءَ وطلعتَ وتوضَّأتَ بها وصلَّيتَ — الصلاةُ صحيحةٌ أو الوضوءُ صحيحٌ أم لا؟ الوضوءُ صحيحٌ، لكن هل يَحِلُّ لك أخذُ هذا الماء؟ لا يَحِلُّ لك.
١١:٥٦ فلماذا قال هنا بعدما قال «يجوز»؟ أراد حتى لا يُشكِل عليك؛ لأنه لو قال «يَحِلُّ» فيبقى عندك الماء المغصوبُ لا يصحُّ كده الوضوءُ به، لكنه يصحُّ. فأراد أن يُبيِّن لك أنَّ «يجوز» أي «يصحُّ»، بمعنى أنك سواءٌ حلَّ لك أم لم يَحِلَّ لك.
١٢:٢٣ إذن هنا لما قال «يجوز أي يصحُّ» فسَّر الجوازَ بالصحة؛ ليه؟ حتى يدخل الوضوءُ بالماء المغصوب أو الماء المُسبَّل للشرب.
١٢:٣٣ عارفين ليه؟ بيَغيب على الناس كثيرًا جدًّا: عارفين ليه بيجيبوا كلَّ دير بيسمُّونه كلَّه وحطُّوه على الطريق أو على المسجد — السبيل، هو حطَّه للشرب. فلو حطَّه لنيَّة الشرب، أنت ليس لك الوضوءُ به. ودي تجدوها في كلام الفقهاء كثيرًا: «المُسبَّل للشرب» يعني هو يقول لك ماءٌ للشربِ فقط.
١٢:٥٥ يحطُّ ويفضل، وأنت دخلتَ عشان تتوضَّأ وجبتَ كُبَّايةً أو زُجاجةً ومَلَيتَ وقعدتَ تتوضَّأ منها — وقعتَ في المُحرَّم. هو صحَّ الوضوءُ، لكن لا يَحِلُّ لك الوضوءُ بالماء المُسبَّل للشرب؛ لأنه حطَّه للناس تشرب.
١٣:١٠ ممكن تتوضَّأ بأيِّ ميَّةٍ: ميَّةُ البحر تتوضَّأ بها، الترعةُ تتوضَّأ بها، النهرُ تتوضَّأ به، أيُّ ماءٍ طَهورٍ. لكن لا تتوضَّأ به إلا لو هو وَضَعَه ولم يَضَعْ عليه شرطَ الشرب.
١٤:٢٠ والعلماءُ بعدهم قالوا: كان الأَولى للمؤلف لمَّا يذكر «يجوز» أن يقول أيضًا «يصحُّ ويَحِلُّ» معًا؛ عشان يُبيِّن الصحةَ ويُبيِّن الحِلَّ. ليه؟ لأنَّ «الجواز» لفظٌ مشترك؛ هتاخدوه في اللغة والنحو: لفظٌ مشترك له معنيان: إما صحةٌ وإما حِلٌّ. والأَولى أنك لما تذكر لفظًا مشتركًا لا تَخُصُّه بأحد الأشخاص، تأتي بالمعنيين. فقال: كان الأَولى أن يقول «يجوز أي يصحُّ ويَحِلُّ»، فتُحمَل الصحةُ على ما دخل فيها المغصوبُ والمُسبَّل، وتُحمَل الحِلُّ على المال الذي يَحِلُّ فقط.
| الماء | يَصِحُّ الوضوءُ به؟ | يَحِلُّ الوضوءُ به؟ |
|---|---|---|
| ماءٌ مملوكٌ لك | ✔ نعم | ✔ نعم |
| ماءٌ مغصوب | ✔ نعم | ✘ لا، وهو آثم |
| ماءٌ مُسبَّلٌ للشُّرب | ✔ نعم | ✘ لا، وهو واقعٌ في المحرَّم |
٤ — «سَبْعُ مِيَاهٍ»: هل العددُ على الحصر؟
١٥:٠٤ قال: «التطهيرُ» يعني التطهُّر به. قال «سبعُ مياهٍ» يعني كلُّ نوعٍ على انفرادٍ يصحُّ التطهُّرُ به من السبعة التي ذكرها المؤلف — مش السبعةُ مجتمعةً.
١٥:١٨ وقال «سبعُ مياهٍ» هنا زيادةٌ للتأكيد؛ إنه كان يكفيه «سبعٌ» وينتهي الأمر.
١٥:٢٢ لكن هل السبعُ التي ذُكِرت على الحصر أم ليست على الحصر؟ لأنه ذكر سبعَ مياهٍ: ثلاثةٌ من السماء وأربعةٌ من الأرض.
١٥:٣٧ العبارةُ ظاهرُها الحصرُ، لكنها ليست على الحصر؛ هو ده على الشائع، على الغالب. ليش؟ قلنا إنَّ هناك أنواعًا من المياه يصحُّ التطهُّر بها لم يذكرها:
١٥:٤٨ ماءُ زمزم — وبعضهم يقول يُلحَق بالبئر. ولكن — بلاش نقول زمزم — الماءُ الذي خرج بين أصابع النبي ﷺ في صلح الحديبية أو في غزوة الحديبية، لما عَطِشت الصحابةُ والماءُ كان قليلًا، فأتى بِرَكْوَةٍ فيها ماءٌ قليلٌ فوضع يدَه فيها ﷺ فصار الماءُ يفور بين أصابع النبي ﷺ حتى سُقوا جميعًا. وده إيجادُ معدومٍ، ما كان موجودًا الماءُ، فخلق الله عز وجل بين أصابع النبي ﷺ كرامةً له ومعجزةً من معجزاته. فطبعًا ده مش في السبع.
١٦:٣١ وقالوا كذلك ماءُ النَّدى، الذي يُؤخَذ من نَدى الزرع، بيبقى على ورق الزرع فيؤخذ منه الندى — هذا أيضًا ليس من السبع.
١٦:٤٠ فقالوا هنا: إذن الحصرُ هذا ليس حصرًا حقيقيًّا، إنما حصرٌ إضافيٌّ؛ لأن فيه أنواعًا أخرى كما بيَّنّا الآن تدخل مع السبع ويجوز التطهُّر بها. لكنه يقصد هنا أن هذه السبعَ هي المشهورة.
٥ — أفضلُ المياه على الإطلاق
١٦:٥٥ وأفضلُ المياه على الإطلاق:
١٦:٥٧ أولًا: ما نَبَعَ بين يدي النبي ﷺ — من جهة الأفضلية. ثم ماءُ زمزم ثانيًا. ثم ماءُ الكوثر. ثم نيلُ مصر.
١٧:١١ لأنه كما جاء في حديث مسلم: أنَّ جَيحان وسَيحان والنيل ودِجلة والفُرات نزلوا من الجنة من الكوثر. لكن أفضلُهم بالترتيب: ما نبع بين أصابع النبي ﷺ، ثم ماءُ زمزم، ثم ماءُ الكوثر، ثم نيلُ مصر، ثم باقي الأنهار التي بيَّنّا عنها: سَيحون وجَيحون ودِجلة والفرات.
٦ — منهجُ الدراسة: تصويرُ المسألة ثم الدليل
١٨:٠٨ أُشير ونحن في الدرس: قصَّةُ الدراسة المنهجية. المفترض أنَّ في المرحلة التي نحن فيها الآن — دراسةِ المذهب الأولى — أولَ شيءٍ يفعله الشيخ مع الطلاب: يُصوِّر المسألةَ له فقط. ثم مرحلةٌ تاليةٌ أنه يُعطيه الدليلَ على ذلك في دراسةٍ ثانية. ثم مرحلةٌ ثالثةٌ أن يُبيِّن له كيفيةَ أخذِ الحكم من الدليل ووجهَ الشاهد والاستدلال.
١٨:٣٧ وأنا سأحاول في المرحلة التي نحن فيها أن أَجمَعَ بين شيئين: صورةِ المسألة وإعطاءِ الدليل، على حسب الحضور. أما وجهُ الشاهد والاستدلال فأُؤخِّرها.
✍️ أسئلة على هذا المبحث
١. لماذا لا يصحُّ الوضوءُ بغير الماء من المائعات؟ ومن خالف؟
٢. لماذا فسَّر الشارحُ «يجوز» بـ«يصحُّ»؟
٣. هل حصرُ المياه في سبعٍ حقيقيٌّ؟ ولماذا؟
٤. رتِّب أفضلَ المياه.
٥. ما دلالةُ كلمة «قيل» في كتب المذهب؟
١٠الأنواعُ السبعةُ واحدًا واحدًا بأدلَّتها
١ — ماءُ السماء
١٧:٤٧ قال «ماءُ السماء»: إضافةٌ إلى الماء النازل من السماء، وهو نوعٌ من أنواع الماء التي يجوز التطهُّرُ بها؛ لقوله تعالى ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾، و﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾.
١٩:٥٤ الدليلُ معنا ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ — امتنانيٌّ: أنَّ الله عز وجل يَمتَنُّ على العباد بإنزال ماءٍ من السماء، وقال «طَهورًا»، إذن يجوز التطهُّرُ به. إذن ماءُ السماء يكون طَهورًا.
٢٠:٠٨ طيب، ليش قدَّم السماءَ على الأرض؟ قالوا: لِشَرَفِ السماء على الأرض على المعتمد عندنا. لكن طبعًا البقعةُ التي فيها النبيُّ ﷺ هي أشرفُ — قالوا هذه أشرفُ من ماء السماء.
٢٠:٢١ قال «وهو المطر»: لما قال «ماءُ السماء» قال «وهو المطر»، وهو الغالبُ طبعًا؛ لأنه ممكن ينزل من السماء النَّدى أحيانًا أيضًا، لكنه يقصد هنا المطر.
٢ — ماءُ البحر
٢٠:٣١ ثم قال «وماءُ البحر» — هذه إضافةُ بيانٍ أيضًا. والبحرُ هو الماءُ الكثير، والأصلُ أن البحر قد يكون عَذبًا ويكون مالحًا؛ لأنَّ البحر هو الماءُ الكثير. لكن اصطُلِح بعد ذلك على أنَّ ذِكر البحر يُقصد به الماءُ المالح. لكنَّ البحرَ في اللغة هو الماءُ الكثير عمومًا، قد يكون حلوًا أو عَذبًا ويكون مالحًا. وسُمِّي بحرًا لعُمقه واتِّساعه.
٢٠:٥٩ من أين الدليل؟ «هو الطَّهورُ ماؤُه الحِلُّ مَيتتُه»؛ لمَّا سُئل النبيُّ ﷺ عن التوضِّي بماء البحر قال: «هو الطَّهورُ ماؤُه الحِلُّ مَيتتُه».
٣٣:٤٨ [جوابًا على سؤال] الحديثُ في مسلم: قالوا يا رسول الله، إنَّا نركب البحر، وإذا توضَّأنا بالماء الذي معنا نَعطَش — الطعامُ قليلٌ وعندهم من الصيد كثيرٌ — فقالوا: إذا توضَّأنا بالماء الذي معنا يَنتَهي ونعطش، يعني ما فيش ماءٌ. فقال ﷺ: «هو الطَّهورُ ماؤُه، الحِلُّ مَيتتُه» — يعني توضَّأوا بماء البحر. و«الحِلُّ ميتتُه» كما سيأتي الكلام عنه، أسماكُ البحريَّات كلُّها تَحِلُّ. وفي روايةٍ: «أنتوضَّأ بماء البحر يا رسول الله؟» فقال: «هو الطَّهورُ ماؤُه الحِلُّ ميتتُه».
٢١:١٣ وهنا قال «أي المِلح»، وفي بعض الطبعات أو بعض الشروحات «أي المالح»، وفي متونٍ أخرى عندنا في المذهب. و«المِلح» و«المالح» واحدٌ لا إشكال فيه. يُبيِّن لك بأنَّ البحر قد يُطلَق على العَذب أيضًا، لكنه قال «أي المالح».
٣ — ماءُ النهر
٢١:٣٧ ثم الثالث «وماءُ النهر»: إضافةٌ أيضًا للماء الذي يكون في النهر — والثاني الماء الذي يكون في البحر، والأولُ الماء الذي ينزل من السماء — أي الماءُ الجاري في النهر.
٢١:٥٠ وكلُّ هذا يشمل النيلَ والفراتَ وغير ذلك التي أصلُها من الجنة في حديث مسلم: حديثُ أبي هريرة عند مسلم: «سَيحان وجَيحان والفرات والنيل كلُّها من أنهار الجنة».
٢٢:١٢ وأيضًا من الاستدلال من الكتاب، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾. فقالوا: هذا نزل الذي في الأنهار، ثم ﴿وإنَّا على ذهابٍ به لقادرون﴾ — بعد كده آخرَ يوم القيامة سترتفع المياهُ من الأنهار.
٢٢:٣٤ ثم قال «وماءُ النهر أي الحُلو». هنا فسَّره بـ«الحُلو»، والبعضُ كان يقول: الأَولى أن يقول «العَذب»؛ لأنَّ المشهور أنَّ الماء عَذبٌ. لكنه قال «الحُلو» ليُقابِل المالحَ؛ يعني أتى في البحر بالمالح فعَكْسُ المالحِ الحُلو.
٢٢:٥٤ و«الحُلو» أعمُّ يشمل الماءَ وغيرَ الماء، أما «العَذب» فيكون للماء. فبعضُ الاعتراض على أنه كان الأَولى أن يقول «العذوبة» لأن العذوبة طعمٌ للماء وطعمٌ خاصٌّ بالماء؛ لكن قلتُ بأنه أتى به ليكون مقابلةَ المالح.
٤ — ماءُ البئر، والآبارُ المستثناة
٢٣:١٢ قال «وماءُ البئر»: الماءُ الذي يكون في البئر أو النابعُ منه. والبئرُ هو الثَّقبُ المستديرُ النازلُ في الأرض، قد يكون مبنيًّا حوله أو غيرَ مبنيٍّ — يعني له بناءٌ يُحيط به أو ليس له. والذي يُبنَى حوله يُسمَّى المَطوِيَّ، والذي بدون بناءٍ حوله لا يُسمَّى مطويًّا، يُسمَّى ثَمَدًا بالمُثلَّثة.
٢٣:٤٤ طيب هنا «البئر» اسمُ جنسٍ، و«الـ» فيه للجنس، يعني كلُّ الآبار. لكن فيه استثناءات: ليس كلُّ مياه الآبار؛ هناك آبارٌ مُستثناةٌ من طَهوريَّتها — أو نقول مُستثناةٌ من استخدامها للطهارة — وهي:
٢٤:٠٣ كلُّ بئرٍ كان في قومٍ قد غَضِبَ اللهُ عز وجل عليهم وأنزل عليهم عذابًا — المغضوبِ على أهلها. يعني مثلًا آبارُ أرض ثمود، إلا بئرَ الناقة؛ لكن غيرَ بئر الناقة من آبار ثمود هذا لا يصحُّ — يُكرَه استعمالُ مائه؛ ليس إلا أنه مغضوبٌ على أهلها.
٢٤:٢٦ وقالوا أيضًا: مياهُ مدن قوم لوط، وبابل، وبئرُ ذَروان أيضًا — الذي سُحِر به أو سُحِر منه النبيُّ ﷺ، ثم طَمَسه ﷺ أو رَدَمه، فلا يصحُّ أن يُرفَع ويُؤخَذ منه ماءٌ أيضًا.
٢٤:٤٢ ولما قلنا مياهٌ، كذلك الترابُ الذي يَتبع البئر؛ لأن الترابَ يُتيمَّم به، فلا يأخذ المياهَ ولا الترابَ ليتيمَّم بها.
٢٤:٥٢ أما بئرُ زمزم فالصحيحُ أنه — طبعًا شُربُه لا إشكال فيه — لكن هل يصحُّ التطهُّرُ به وإزالةُ النجاسة به؟ المذهبُ عندنا ليس فيه كراهةٌ؛ ليست هناك كراهةٌ في استعمال ماء زمزم في إزالة النجاسة تحديدًا طبعًا، المعتمدُ: يعني لو أخذ الماءَ واستنجى به أو تطهَّر به من الغائط — عزَّكم الله — وغير ذلك. لكن قالوا هذا خلافُ الأَولى فقط، لكنه ليس مكروهًا عندنا.
٢٥:٢٦ وأيضًا الماءُ النابعُ بين يدي النبي ﷺ قالوا: خلافُ الأَولى أيضًا فيه، وبعضهم قال بالكراهة لشرفه.
٢٥:٤٠ قال «ماءُ البئر»، من أين الدليل؟ الحديثُ أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِل عن بئر بُضاعة: قالوا يا رسول الله، أنتوضَّأ من بئر بُضاعة وهي يُلقَى فيها الحِيَضُ والنَّجِسات والقَذِرات؟ فقال: «الماءُ طَهورٌ لا يُنجِّسه شيءٌ». فاستدلَّوا على أن الطهارة من الآبار جائزةٌ من حديث بُضاعة.
- كلُّها مكروهة
- إلا بئرَ الناقة
- مدنُ قوم لوط
- بابل
- الذي سُحِر منه النبيُّ ﷺ ثم طَمَسه
- الترابُ الذي يتبعها، فلا يُتيمَّم به
٥ — ماءُ العين
٢٦:٠٤ «وماءُ العين» أيضًا — إضافةٌ، أي الماءُ النابعُ من العين. والعينُ أيضًا هي الشَّقُّ الذي في الأرض، قد تكون في الجبل وقد تكون في الأرض، ينبع منها الماءُ، يُسمَّى عينًا.
٢٦:٢١ كان زمانٌ في مصر «عينُ الصِّيرة»، هذه كانت عينًا فيها ماءٌ، وبعد كده صارت مدافنَ، لكنها أصلًا كانت تُسمَّى عينَ الصِّيرة لأنه كانت فيها ماءٌ يُجمَع فيها.
٦ و٧ — ماءُ الثلج وماءُ البَرَد
٢٦:٣٧ «وماءُ الثلج»: ما هو ماءُ الثلج؟ هو الماءُ النازلُ من السماء مائعًا ثم يَجمُد في الأرض أو أثناء نزوله من شدة البرد. يعني هو الأصلُ أنه نازلٌ من السماء مائعًا ثم يَجمُد في أثناء نزوله إلى الأرض.
٢٦:٥٦ «وماءُ البَرَد» بفتح الراء: الماءُ النازلُ من السماء جامدًا كالمِلح، ثم يَنماع في الأرض أو على الأرض — يعني يَفُكُّ ويذوب على الأرض. هذا الفرقُ بين الثلج والبَرَد.
٢٧:١٠ طَهوريَّتُه من حديث دعاء الاستفتاح: «اللهمَّ باعِدْ بيني وبين خطاياي كما باعدتَ بين المشرق والمغرب، اللهمَّ نَقِّني من الخطايا كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدَّنَس، اللهمَّ اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبَرَد». فجاء هنا دلالةٌ على طَهوريَّة هذا الماء.
٢٧:٢٩ بعضهم قالوا: إنهما من ماء السماء. ليه أدخلوا وأفردوا؟ قالوا: إنَّ المطرَ شيءٌ، ولأنَّ هذا ينزل مائعًا ثم يتجمَّد، أو ينزل جامدًا ثم يَنماع؛ فلذلك فرَّقوا بينه وبين ماء المطر.
| النوع | الحالة عند النزول | ما يحدث له |
|---|---|---|
| المَطَر | مائعٌ | يبقى مائعًا |
| الثَّلْج | ينزل مائعًا | يَجمُد في أثناء نزوله أو في الأرض |
| البَرَد | ينزل جامدًا كالمِلح | يَنماع (يذوب) على الأرض |
٨ — الجامعُ للسبعة: ثلاثةٌ سماويَّةٌ وأربعةٌ أرضيَّة
٢٧:٤٩ فيبقى عندنا: من السماء ثلاثةٌ — المطرُ والثلجُ والبَرَد؛ ومن الأرض أربعةٌ — البحرُ والنهرُ والبئرُ والعين.
٢٨:٠٢ والبعضُ يقول: إنَّ كلَّ المياه من السماء ونزلت إلى الأرض — حتى المياهُ الأربعة هذه أصلُها من السماء؛ يعني ليس في الأرض ماءٌ إلا من ماء السماء. قاله مجاهدٌ — تلميذُ ابن عباس — قال: كلُّ ماءٍ في الأرض فهو من السماء؛ كان كلُّ ماءٍ من السماء ثم حُبِس بعضُه في الأنهار وفي الآبار وفي العيون، أو كان كالمطر والثلج والبَرَد أيضًا.
٢٨:٣٦ وقيل: ما نزل من السماء كان أصلُه في البحر ورفعه الله عز وجل بلطفه، ثم ما نزل بعد ذلك إلى الأرض. وكلُّ هذه أقوالٌ لا إشكال فيها، يعني نُصرِّدها فقط.
- ماءُ السماء = المطر
- ماءُ الثلج
- ماءُ البَرَد
- ماءُ البحر
- ماءُ النهر
- ماءُ البئر
- ماءُ العين
٩ — «عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ»
٢٨:٤٦ قال «على أيِّ صفةٍ كان»: يعني الماءُ الذي نزل ده من السماء أو من الأرض، على أيِّ صفة — يعني كان حُلوًا، كان مالحًا، كان له طعمٌ أو له لونٌ (كونه أبيضَ أسودَ أحمرَ)، كان له رائحةٌ طيبةٌ — ما دام من أصل الخِلقة لا إشكال فيه.
٢٩:٠٨ بخلاف ما يتغيَّر بعد ذلك كما سيأتي معنا. المعنى أن يقول: «على أيِّ صفةٍ كانت من أصل الخِلقة» فيبقى على حسب ما نزل من السماء أو مُوجَدَ من الأرض، بلونٍ معيَّنٍ، بطعمٍ معيَّنٍ، برائحةٍ معيَّنةٍ.
٢٩:٢٦ ليه؟ لِيَحترِزَ: ممكن يتعرَّض للماء شيءٌ يُغيِّره، فأراد أن يقول لك: التغيُّرُ ده سنتكلم عنه. إحنا نتكلم عنه وهو نازلٌ من أصل خِلقته بهذا اللون أو بهذه الرائحة أو بهذا الشكل الذي فيه، جامدًا أو مائعًا. فيقصد هنا هذا أصلَ خِلقته؛ لأنه لو تغيَّر سيكون هناك تنزيلٌ للتغيُّر: تغيُّرٌ بطاهرٍ، أو تغيُّرٌ بناجسٍ، أو إيش بالضبط.
١٠ — مسائلُ من أسئلة الحاضرين
٣٠:١٢ [سؤالٌ عن مِلح البحر] مِلحُ البحر غيرُ مِلح الجبل، سيأتي الكلام عنه. أنت خلطتَه الآن: مِلحُ البحر ده أصلُ خِلقته، لكن أنت الماءُ ده ماءٌ وحطَّيتَ عليه مِلحًا، كده خرج.
٣٠:٣٤ [سؤالٌ عن ماء العين] لو كانت عينًا، ومن العينِ الأصلُ فيها الطهارةُ. مسألةُ الضرر دي مسألةٌ أخرى.
٣٠:٥٢ عاديٌّ، ما هي تتغيَّر ممكن من طول المُكث، ممكن تتغيَّر بشيءٍ. لكن المهمُّ من التغيُّر هذا: لو تغيَّر الماءُ بطاهرٍ أو تغيَّر بناجسٍ، والتغيُّرُ مُجاورةٌ أو مُخالَطةٌ، سيأتي الكلام هذا. لكن أولًا ننظر لأصل الخِلقة بتاعه، ده الذي نحن بننظر له الآن. حاليًا لسه، لما يتغيَّر سننظر للتغيُّر: هل يَسلُب عنه الطَّهورية ويجعله طاهرًا لكن غيرَ مُطهِّرٍ، أو يجعله نجسًا؟ سيأتي الكلامُ عنه في الأقسام.
✍️ أسئلة على هذا المبحث
١. اذكر السبعةَ موزَّعةً على السماء والأرض، والجامعَ لها.
٢. ما الفرق بين الثلج والبَرَد؟
٣. ما دليلُ طَهوريَّةِ ماء البحر وماء البئر وماء الثلج والبرد؟
٤. ما الآبارُ التي يُكرَه الاستعمالُ منها؟
٥. ما الفرق بين «المَطوِيِّ» و«الثَّمَد»؟
٦. لماذا قال «أي الحُلو» في النهر ولم يقل «العَذب»؟
١١تقسيمُ المياه الثاني: الطَّهورُ والطَّاهرُ والنَّجِس
١ — تقسيمٌ جديدٌ من جهة الطَّهورية
٣٤:٣٥ قال: «ثم المياهُ تنقسم» — بتقسيمٍ جديد. التقسيمُ الأولُ كان من حيث مكانُ وجود الماء ونزولُه؛ والآن سيَنقسِم الماءُ من حيث مسألةُ الطَّهوريَّة: متى يكون طَهورًا، متى يكون طاهرًا، متى يكون نَجِسًا.
٣٤:٥٤ «ثم المياه» — و«ثُمَّ» هنا للاستئناف أو للترتيب في الذِّكر؛ يعني كأنه يقول لك: بعد أن أخبرتُك بأنَّ المياه التي يجوز التطهُّرُ بها سبعةٌ، أُخبِرُك بتقسيمٍ آخرَ جديد.
٣٥:٠٩ وقال هنا «المياه» — مع أنه ممكن أقول «الماء» فقط، لكن قال «المياه». ليس المقصود أنَّ المجموعة [تنقسم]، لا، كلُّ واحدٍ منهم ينقسم.
٣٥:٢٠ لذلك لو جئنا نقول: إحنا عندنا سبعةٌ والأقسامُ أربعةٌ، كأنك ٢٨ قسمًا! فأنا لا نشرح ٢٨، نشرح سبعةً وأربعةً فقط؛ لكن الأربعة تُطبِّقها على كلِّ واحدٍ من السبعة: كلُّ واحدٍ من السبعة أنواعِ المياه هينقسم إلى أربعة.
٢ — الفرق بين «الطَّهور» و«الطاهر»
٣٨:٢٧ ما معنى كلمة طَهور؟ أن تقول: الماءُ طاهرٌ بنفسه — نفسُ الماء طاهرٌ — وكذلك يُطهِّر غيرَه؛ يعني هو طاهرٌ ويُطهِّر الغيرَ به. هذه كلمةُ «طَهور».
٣٨:٤٥ طب معنى طاهر؟ طاهرٌ في نفسه، لكن أصابه شيءٌ أو تغيَّر في شيءٍ لا يجعله مُطهِّرًا لغيره. طاهرٌ يعني ليس فيه شيءٌ يمنع أنك تُمسِكه أو تتعامل معه، لكن هل يصحُّ في الطهارة؟ قالوا: لا، هو طاهرٌ في نفسه غيرُ مُطهِّرٍ لغيره.
٣٩:٠٨ فيبقى الفرق بين الطاهر والطَّهور: الطَّهورُ طاهرٌ في نفسه ومُطهِّرٌ لغيره؛ وهذا [الطاهرُ] طاهرٌ في نفسه لكن لا يصحُّ استعمالُه في الطهارة، وإن كان هو نفسُه طاهرًا: يعني ممكن أغسل به أثوابًا، ممكن أمسح به الأرضَ، ممكن أشربه؛ لكن هل يصحُّ أن أتوضَّأ أو أغتسل أو أُزيل نجاسةً؟ قالوا: لا يصحُّ به ذلك.
٣٩:٣٥ والنَّجِسُ: الماءُ الذي قد تنجَّس؛ يعني حدث تغيُّرٌ له، وقع فيه نجاسةٌ أو وقع فيه شيءٌ وتنجَّس بذلك الماءُ.
٣٩:٤٧ فيبقى الأقسامُ الأساسية: طَهورٌ، طاهرٌ، نَجِسٌ. والطَّهورُ ينقسم إلى قسمين: طَهورٌ بلا كراهةٍ في الاستعمال، وطَهورٌ بكراهةٍ في الاستعمال.
| القسم | طاهرٌ في نفسه؟ | مُطهِّرٌ لغيره؟ | المثال |
|---|---|---|---|
| طَهُور بلا كراهة | ✔ | ✔ | الماء المُطلَق |
| طَهُور مع كراهة | ✔ | ✔ | الماء المُشمَّس |
| طَاهِر | ✔ | ✘ | المستعمَل، والمتغيِّر بالطاهرات |
| نَجِس | ✘ | ✘ | ما حلَّت فيه نجاسةٌ (يأتي تفصيله) |
٣ — القسم الأول: الماءُ المُطلَق
٣٩:٥٢ بدأ بالطَّهور، فقال: «طاهرٌ في نفسه مُطهِّرٌ لغيره غيرُ مكروهٍ استعمالُه»، الذي هو يُسمَّى الماءَ المُطلَق، الذي هو أصلُ الماء السبعِ الذي تكلَّمنا عنه؛ أيُّ ماءٍ نازلٍ من السماء أو من الأرض — السبعُ الذين تكلَّمنا عنهم — الأصلُ فيه أنه ماءٌ طَهورٌ، ما دام ما تغيَّرش به شيءٌ، ولا يُكرَه استعمالُه. وهو يُسمَّى الماءَ المُطلَق.
٤٠:٢٤ الماءُ المُطلَق: الباقي على أصل خِلقته، لم يتغيَّر فيه شيءٌ — لا طاهرةٌ ولا نجاسةٌ. هذا يُسمَّى الماءَ المُطلَق، الذي هو طَهورٌ، طاهرٌ في نفسه مُطهِّرٌ لغيره، يُستعمَل بلا كراهة.
٤٠:٥٦ «مُطهِّرٌ لغيره» أي في إزالة النَّجَس وفي رفع الحدث. وسواءٌ الطهارةُ واجبةٌ أو مندوبةٌ — يعني تجديدُ وضوءٍ، غُسلُ الجمعة، أيُّ شيءٍ، الغَسلةُ السُّنِّية في النجاسة في الإزالة — كلُّها يجوز استعمالُه فيه بلا كراهة.
٤ — «عن قيدٍ لازم» — والفرقُ بين القيد اللازم والمنفكِّ
٤١:٣٦ يعني كلمة «مُطلَق» = بلا قيدٍ لازم. وقد عرَّفوه: الباقي على أصل خِلقته.
٤١:٥٩ إذن ممكن يكون فيه قيدٌ، نعم، بس مُنفكٌّ. أنا لما قلتُ «ماءُ السماء» مش ده كأنه قيدٌ؟ ما قلتش «ماء» وسكتُّ، قلتُ «ماءُ السماء»، «ماءُ الأرض»، صحيح؟
٤٢:١٨ لو قلتُ «ماءٌ» وسكتُّ، فده الماءُ بلا قيدٍ. طب لو قلتُ «ماءُ السماء»، «ماءُ الأرض»، «ماءُ البئر» — هذا قيدٌ نعم، لكن هل قيدٌ لازمٌ؟ لا.
٤٢:٣٤ طب إيش الفرق؟ لو قلتُ «ماءُ بطيخ» — هذا قيدٌ لازمٌ؛ لأنه أُضيف إليه البطيخُ فأصبح الماءُ لازمُه هنا أنه مستخرَجٌ من البطيخ. فده يُسمَّى قيدًا لازمًا.
٤٢:٥٠ لأنَّ البعض يقول هنا: «المطلقُ بلا إضافةٍ بلا قيدٍ»، فيجيء يَستشكِل: ليه؟ البعضُ يقول له: كما أنت قلتَ «ماءُ السماء» «ماءُ الأرض» «ماءُ العين» «ماءُ البئر»! هنقول له: نعم، هذا قيدٌ غيرُ لازمٍ، مُنفكٌّ، تعريفيٌّ فقط؛ يعني الماءُ الذي نازلٌ من السماء هو نفسُ الماء المُطلَق، بس ده من السماء وده من الأرض وده من البئر.
٤٣:٠٩ لكن لو قُيِّد بقيدٍ لازمٍ خرج، أنه ما بقاش يُسمَّى ماءً مُطلَقًا خلاص؛ بقى اسمُه ماءَ البطيخ، بقى اسمُه ماءَ الورد، ماءَ الزعفران مثلًا، ماءَ القرنفل — أيًّا كان، فأصبح هذا قيدًا لازمًا.
فهو ماءٌ مطلقٌ
فهو ماءٌ مطلقٌ
فليس ماءً مطلقًا
فليس ماءً مطلقًا
٥ — الفرق بين «الماءِ المُطلَق» و«مُطلَقِ الماء»
٤٣:٣٨ ولذلك لما أقول: إيش الفرق بين «الماء المُطلَق» و«مُطلَق الماء»؟
٤٤:٠٣ «الماءُ المُطلَق» الذي تكلَّمنا عنه الآن: الماءُ الباقي على أصل خِلقته، بلا قيدٍ لازمٍ.
٤٤:١٧ لو قلتُ «مُطلَقُ الماء» فيبقى عندي: قد يكون طَهورًا، وقد يكون طاهرًا، وقد يكون نجسًا. فيبقى عرفتم: «مُطلَقُ الماء» يدخل فيه الأصنافُ الثلاثة، التقسيماتُ الثلاثة. لكن لو قلتُ «الماءُ المُطلَق» فهو هذا فقط: الذي طاهرٌ في نفسه مُطهِّرٌ لغيره، بلا قيدٍ لازمٍ، الباقي على أصل خِلقته. أو لم يُقيَّد أصلًا — يعني إما أقول «ماءٌ» فقط، أو «ماءٌ بقيدٍ غيرِ لازم».
٧٧:٢٧ [إعادةُ الشرح على سؤالٍ] «مُطلَقُ الشيء» ده الأصلُ؛ زيَّ حاجةٍ عندنا في العقيدة: «الإيمانُ المُطلَق» و«مُطلَقُ الإيمان». مُطلَقُ الإيمان هو أصلُ الإيمان، الإسلامُ الذي يدخل به الدينَ، الذي بعده يبقى كفرًا. والإيمانُ المُطلَق هو الذي يأتي بالواجبات ويَنتهي عن المحرَّمات زائدَ الشهادتين.
٧٨:٠٣ فلما نقول «مُطلَقُ المياه» يعني كأني بقول أنواعَ المياه: يَطلُق تحتها طَهورٌ وطاهرٌ ونَجِسٌ.
٦ — فائدةٌ: «ماءٌ دافق» و«إذا رأت الماءَ»
٤٥:٠٤ لكن لو قلتُ «ماءٌ دافِقٌ» — قيدٌ لازمٌ أم منفكٌّ؟ لازمٌ؛ لأنه مقصودٌ به الماءُ الذي يخرج من صُلب الرجل.
٤٥:٢٢ ولذلك لو قلتُ حديثَ أمِّ سَلَمة رضي الله عنها لما جاءت للنبي ﷺ تسأله: هل على المرأة غُسلٌ إذا هي احتلمت؟ قال النبيُّ ﷺ: «نعم، إذا رأت الماءَ».
٤٥:٣٩ فيبقى يُقصد بالماء هنا إيش؟ المنيُّ؛ لأنه قال «إذا رأت الماء» — ما هو الماءُ الذي ستراه؟ هو المنيُّ. قالت «احتلمتُ»، والاحتلامُ يكون بخروج المنيِّ.
✍️ أسئلة على هذا المبحث
١. ما أقسامُ المياه الأربعة؟
٢. ما الفرق بين الطَّهور والطاهر؟
٣. عرِّف الماءَ المُطلَق، وما معنى «عن قيدٍ لازم»؟
٤. فرِّق بين «الماء المطلق» و«مطلق الماء».
٥. «ماءٌ دافق» و«إذا رأت الماء» — ما المراد بالماء فيهما؟
١٢القِسمُ الثاني: الماءُ المُشَمَّس
١ — تعريفُ الماء المُشمَّس
٤٦:٢٧ النوعُ الثاني — ركِّزوا معي —: طاهرٌ مُطهِّرٌ، يُكرَه استعمالُه. هو طاهرٌ ومُطهِّرٌ، لكن يُكرَه عندنا استعمالُه في المذهب. والمسألةُ فيها خلافٌ طبعًا؛ الذي هو يُسمَّى الماءَ المُشمَّس، وهي من الانفرادات عندنا في المذهب.
٤٨:٢٢ يعني جبتَ الإناءَ الكبيرَ ووضعتَه في الشمس فشمَّسه يعني سخَّن بواسطة الشمس — ده الماءُ المُشمَّس. إناءٌ كبيرٌ ووُضِع فيه ماءٌ وتُرِك إلى الشمس فسخَّنته الشمسُ، سُمِّي ماءً مُشمَّسًا، عن طريق الشمس.
٤٩:١٢ فيبقى أولُ شيءٍ: تعريفُ الماء المُشمَّس: هو الماءُ الذي سُخِّن عن طريق الشمس. فيبقى الضابطُ عندنا: تكون شمسًا.
٤٨:٥٣ هذا الماءُ — بشروطٍ سأُبيِّنها — عندنا مكروهٌ استعمالُه. هو طاهرٌ؟ نعم. هو طَهورٌ أيضًا؛ طاهرٌ ومُطهِّرٌ، لكن تركُنا استعمالَه على الكراهة، بسبب كراهةٍ شرعيَّةٍ وكراهةٍ طبيَّةٍ.
٢ — مستندُ الكراهة: ثلاثةُ أدلَّةٍ شرعيَّةٍ + الطبُّ
٥٠:٢٧ طيب، مستندُ الكراهة عندك شرعًا: حديثُ عائشة — واحد. اثنان: أثرُ عمر رضي الله عنه. ثلاثة: حديثُ «دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك». هذه ثلاثةٌ شرعيَّةٌ. ثم طبيَّةٌ للضرر مثل البَرَص.
٥١:١٨ المستندُ في الكراهة أولًا: حديثُ عائشة لما جاءت إلى النبي ﷺ بإناءٍ سُخِّن فيه الماءُ من الشمس، فقال: «يا حُمَيراءُ، ألا تعلمين أنَّ هذا يُورِثُ البَرَص؟» — هذا أولُ حديثٍ.
٥١:٢٩ ثم جاء أثرٌ عن عمر رضي الله عنه بكراهة استعمال الماء المُشمَّس، وأصبح قولَ صحابيٍّ — دليلٌ ثانٍ.
٥١:٤٤ فلما اجتمع عند الأصحاب في المذهب الحديثُ الأولُ والأثرُ عن عمر، قالوا: عندنا حديثُ «دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك»؛ بمعنى تكون عندهم قناعةٌ بأن الماء المُشمَّس مع الناحية الطبيَّة التي قال بها بعضُ الأطباء.
٥٢:٠٥ التعليلُ الطبيُّ: أنَّ الماءَ المُشمَّس في الأواني المُنطبِعة — التي هي معمولةٌ من الحديد والنحاس، مُنطبِعةٌ يعني بتُطرَق وهي تُصنَع وبتُشعَّر نارًا، تَليها في الحديد في النحاس — فقالوا: هذه لما يأتي الماءُ ويُشمَّس يتفاعل مع هذه المواد فيُعطي زُهومةً؛ فلما ينزل الماءُ على البدن يَحبِس الدمَ أحيانًا في البدن فيؤدي إلى ظهور البَرَص أو زيادة البَرَص أو الضرر.
٥٢:٣٨ فقالوا: هذا قال به الأطباءُ. فقالوا: تبيَّن لنا من حديث عائشة، ومن أثر عمر، ومن حديث النبي ﷺ «دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك» — فإذا هذا يَريبُنا. فتكون عندنا كراهةٌ شرعيَّةٌ باستعمال الماء المُشمَّس، زائدَ الكراهة الطبيَّة. وهذا الكلامُ المعتمَدُ.
- «يا حُمَيراءُ، ألا تعلمين أن هذا يُورِث البَرَص؟»
- كراهتُه استعمالَ الماء المُشمَّس — وهو قولُ صحابيٍّ
- إلى ما لا يَريبُك — وهذا يَريبُنا
- تفاعلُ الماء مع الإناء المُنطبِع يُعطي زُهومةً
- فتَحبِس الدمَ في البدن فيؤدي إلى البَرَص
٣ — اختيارُ النوويِّ، وما معنى «اختيار»؟
٥٣:٢٠ قال: «مكروهٌ استعمالُه في البدن لا في الثوب، وهو الماءُ المُشمَّس أي المُسخَّن بتأثير الشمس فيه، وإنما يُكرَه شرعًا بقُطْرٍ حارٍّ…» إلى أن قال: «واختار النوويُّ عدمَ الكراهة مطلقًا».
٥٤:٠١ ما معنى كلمة «اختار»؟ الاختيارُ لما يأتيك من عالِمٍ — وفي كتبٍ يقول لك «اختيارات ابن تيمية»، «اختيارات النووي» — تعريفه:
اجتهادُ عالِمٍ مجتهدٍ غيرِ مطلقٍ، بقولٍ يُخالِف إمامَ مذهبِه، بعد ثُبوتِ دليلٍ ترجَّح له
٥٥:١٢ يعني إيه «اختيار النووي»؟ اختيارُ ابن تيمية؟ اختيارُ أيِّ أحدٍ؟ معنى كلمة اختيار: هو اجتهادُ عالِمٍ مجتهدٍ غيرِ مطلقٍ — يعني مجتهدِ مذهبٍ، مجتهدٍ غيرِ مطلق — بقولٍ يُخالِف إمامَ مذهبه بعد ثبوت الدليل.
٥٥:٤١ يجيء النوويُّ لأنَّ النوويَّ يُخالِف المذهبَ: المذهبُ يرى أنَّ دي كراهةٌ شرعيَّةٌ، فالنوويُّ جاء قال… عالِمٌ مجتهدٌ غيرُ مطلقٍ — أما لو مطلقٌ فخلاصٌ، غيرُ مطلقٍ — بقولٍ يُخالِف إمامَ مذهبه بعد ثبوت دليلٍ صحَّ عنده. عشان أقول لك إنه ما بيُخالِفش من هوًى؛ ثبت عنده دليلٌ فخالف إمامَ المذهب فيه.
بمَ خالف النوويُّ؟
٥٦:٤٨ جاء قال: حديثُ عائشة ضعيفٌ — انظر في كلِّ الكتب قالوه ضعيفًا، وحقًّا ضعيفٌ، حتى الأصحابُ ما ذَيَّلوهوش بالشيء.
٥٧:٠٠ ثم جاء عند أثر عمر: أثرُ عمر له روايتان: روايةٌ عند البيهقيِّ تقريبًا — أعتقد — وهذه ضعيفةٌ، وروايةٌ عند الطبرانيِّ، ومن الإشكال أنَّ رواية الطبرانيِّ الأصحابُ ردُّوا بها على الأولى؛ لأنَّ هذه صحيحةٌ. فالنوويُّ لما تكلَّم تكلَّم عن الرواية الأولى فقط وقال إنها ضعيفةٌ، لكنه لم يتكلَّم عن الرواية الثانية. فالأصحابُ قالوا: الرواية الثانية التي عند الطبراني صحيحةٌ.
٥٧:٣٢ فهو [النوويُّ] قال: الحديثُ لم يَثبُت، وأثرُ عمر لم يَثبُت؛ إذن شرعًا ليس عندي حُكمُ الكراهة.
٥٧:٤١ ثم قال: أرجع كما قال الشافعيُّ: «إنْ ثبت طبيًّا الضررُ قلتُ به». يعني الشافعيُّ علَّق المسألة كلَّها على المسألة الطبية: لو الأطباءُ قالوا إنَّ الماء المُشمَّس يؤدي إلى ضررٍ سنقول به. فالمسألةُ متوقِّفةٌ على الطب، أما الكراهةُ الشرعيةُ فعند النوويِّ لم تَثبُت. وهذا هو الصحيحُ حقيقةً، خلافًا للمذهب.
٥٨:٠٧ لكنَّ المذهبَ لما جمعوا الحديثَ ده مع أثر عمر الذي في الطبراني مع حديث «دَعْ ما يَريبُك» والطبِّ، قالوا تكون لنا كما قلتُ لكم [الكراهة].
٥٨:١٩ وخلِّي بالك: قال «مطلقًا» — يعني النوويُّ يختار عدمَ الكراهة مطلقًا؛ يعني سواءٌ الشروطُ دي وُجِدت أو ما وُجِدَتْش، عند النوويِّ برضه ليس بذِكرها. ده معنى «مطلقًا».
٦٤:٢٦ والمذهبُ أيضًا يرجع لأثر عمر؛ لأنَّ عمرَ قال «أكرهُ المُشمَّسَ»، فقالوا لأنَّ عمرَ أدرى بالطبِّ منه، وأكيدٌ أنَّ عمرَ كان يعلم. فلذلك وضعوا في أثر عمر في ذلك أيضًا.
| المذهب (المعتمَد) | اختيار النووي | |
|---|---|---|
| حديث عائشة | ضعيفٌ لكنه يتقوَّى بأثر عمر | ضعيفٌ لا يُحتجُّ به |
| أثر عمر | ثابتٌ برواية الطبراني | تكلَّم على رواية البيهقي الضعيفة فقط |
| الحكم | كراهةٌ شرعيَّةٌ وطبيَّةٌ بالشروط | لا كراهةَ مُطلقًا، إلا أن يَثبُت الضررُ طبًّا |
٤ — شروطُ كراهة الماء المُشمَّس
٤٧:٤٧ الضابطُ أولَ شيء: لا فرق بين القليل والكثير؛ سواءٌ الماءُ ده قليلٌ أو كثيرٌ هو مُشمَّسٌ، يُكرَه عندنا. يعني لو جبتَ فوق القُلَّتين أو تحت القلتين — قليلٌ — ما دام هو مُشمَّسٌ. وكذلك مُغطًّى أو مفتوحٌ، سواءٌ.
٥٨:٣٩ إيه هي الشروطُ بقى؟ هم ما قالوش إنَّ أيَّ ماءٍ وشُمِّس كده؛ لا، فرَّقوا بين بلادٍ حارةٍ وبلادٍ باردةٍ وبلادٍ متوسطةِ الحرارة. فقالوا: الحجازُ واليمنُ وصعيدُ مصر، قالوا هذه بلادٌ حارةٌ؛ ومصرُ حطُّوها في البلاد المعتدلة الحرارة — ويقصدون منَّا بجانب الصعيد، يعني من غير الصعيد؛ وقالوا الشامُ بلادٌ باردةٌ.
الشرط الأول: أن يكون في بلدٍ (قُطْرٍ) حارٍّ
٥٩:١١ فقالوا: طيب، أولُ شيءٍ أن يكون في البلاد الحارَّة. فيبقى الماءُ المُشمَّسُ مش فيها حتى لو حطَّيتَه في أوروبا وأمريكا أو بلاد القُرَسان وغيرها وسُخِّن من الشمس — لا إشكال.
الشرط الثاني: أن يكون في إناءٍ مُنطبِع، إلا النَّقدَين
٥٩:٣٠ أن يكون في إناءٍ مُنطبِع؛ لذلك هو قال هنا «بقُطْرٍ حارٍّ في إناءٍ مُنطبِعٍ إلا إناءَ النَّقدَين». عندك الأواني المُنطبِعة التي هي بتُطرَق ومستخدَمٌ فيها النارُ: الحديدُ والنحاسُ وغير ذلك.
٥٩:٥٥ طب لو إناءَ ذهبٍ أو فضةٍ ووضعتَه في الشمس وسخَّنته — جبتَ كده حلَّةَ ذهبٍ عندك أو فضةٍ وحطَّيتَها في شمسٍ على السطح وكنتَ في بلدٍ حارٍّ — قالوا: لا يكون مُشمَّسًا. ليه؟ لأنَّ الذهبَ والفضةَ صفاءُ المعدنِ فلا يتفاعل ولا يؤدِّي إلى الضرر الذي يتكلَّمون عنه طبيًّا. [وطبعًا هذا ليس معناه أنه يجوز أن يُوضَع الماءُ في أواني الذهب والفضة، لكن هذا حكمٌ آخر.]
٧٥:٠٤ [على سؤالٍ عن إناء الزجاج] خلاص، مش مُنطبِعةً؛ يعني ممكن تبقى غيرَ مُنطبِعةٍ. جبتَ إناءَ زجاجٍ وحطَّيتَ فيه مياهًا وسخَّنتَه: لا ينطبق عليه الشرطُ.
الشرط الثالث: ألَّا يَبرُد
٦٠:٤٤ قال: «وإذا بَرَدَ زالت الكراهةُ»؛ فيبقى ألَّا يَبرُد. يعني لو أنت أخذتَه من الشمس وبرَّدتَه زالت الكراهةُ؛ لكن لو أخذتَه سُخنًا مباشرةً وتوضَّأتَ أو اغتسلتَ فبالكراهة. فيبقى ده شرطٌ ثالث.
الشرط الرابع: أن يكون في زمنٍ حارٍّ
٦١:٣٨ أضيفوا عليه: في زمنٍ حارٍّ — ده شرطٌ آخرُ رابعٌ، كلُّ دي معنا في المذهب لكنها مش موجودةً هنا معكم في المتن. يعني حطَّ الإناءَ الظهرَ مثلًا، مش لو جوٌّ حارٌّ أصلًا — أوه، سخَّنه في الصيف ما يحطَّهوش بالليل، إحنا بنتكلم على شمسٍ. أو الصبحَ بدريَّ بعد الفجر — لا، في زمنٍ حارٍّ، يعني في وقتٍ فيه حرارةٌ للشمس.
الشرط الخامس: أن يُستعمَل في البدن
٦٢:٠٤ شرطٌ آخر: يُستعمَل في البدن. يعني هتوضَّأ به، هيجيء على بدني، أو أغتسل، أو أشرب — لأنه هيأتي في البدن. فيبقى هنا الكراهةُ في استعماله في البدن وفي الشُّرب.
٦٢:٢٨ طب لو جبتَ الماء المُشمَّسَ وغسلتَ به الثوبَ؟ لا، ليست فيه كراهةٌ. إلا لو غسلتَ الثوبَ وقبل أن يجفَّ — وهو رطبٌ — لبستَه على بدنك، فالرطوبةُ ستأتي فيدخل في الكراهة.
٦٢:٤٧ لكن هو لما قيَّد قال «يُستعمَل في البدن» يعني في طهارة البدن أو في الشرب. لكن لو استخدمتَه في الأرض — غسلتَ به الأرضَ — ليست كراهةً فيه؛ لو استخدمتَه في الثياب ليست هناك كراهةٌ بذلك.
الشرط السادس: أن يوجد غيرُه
٦٣:٠٤ الشرط السادس: ألَّا يُوجَد غيرُه [أي: الكراهةُ مشروطةٌ بوجود غيره]. لو وُجِد غيرُه أصبح فيه كراهةٌ؛ لأنك ممكن تستغني عنه وتأخذ غيرَه. ولو لم يُوجَد غيرُه هترتفع الكراهةُ؛ لأنه إذا كان في الضرورة بنرفع. فإذا عُدِم الماءُ وما فيش غيرُ المُشمَّس، ممكن تستخدمه بلا كراهةٍ.
الشرط السابع: ألَّا يَتيقَّن الضررَ
٦٣:٣٦ قالوا: لو أنت مُتيقِّنٌ بالضرر فده يَحرُم، مش كراهةً؛ هينتقل الحكمُ من الكراهة للتحريم، وده الصحيح. لو أنت تيقَّنتَ أنَّ هذا الماء سيضرُّك ويُصيبك بشيءٍ — مثلًا عندك مرضٌ، عندك حساسيَّةٌ — فهذا يَتيقَّن الضررَ فيبقى يَحرُم. وإن لم يَتيقَّن الضررَ فما زلنا هنا مع الكراهة.
٦٤:٠١ فيبقى هذه الشروطُ التي وضعها الأصحابُ حتى يكون الماءُ المُشمَّسُ مكروهًا استعمالُه؛ بغير هذه الشروط لا يُعدُّ من الكراهة.
- كالحجاز واليمن وصعيد مصر
- ومصرُ معتدلةٌ، والشامُ باردةٌ
- كالحديد والنحاس
- إلا النَّقدَين (الذهب والفضة) لصفاء جوهرهما
- والزجاجُ لا ينطبق عليه
- فإذا بَرَدَ زالت الكراهةُ
- وقتَ حرارةِ الشمس، لا ليلًا ولا أولَ النهار
- في الطهارة أو الشرب
- لا في الثوب ولا الأرض، إلا أن يَلبَس الثوبَ رطبًا
- فإن لم يُوجَد غيرُه ارتفعت الكراهةُ للضرورة
- فإن تيقَّنه حَرُم لا كُرِه
٥ — إلحاقُ شديد السُّخونة والبرودة
٦٤:٤٠ قال: «ويُكرَه أيضًا شديدُ السُّخونة والبرودة». قالوا: يُكرَه. طب ليش يُكرَه؟ على عِلَّتين أو وجهين عندنا:
٦٥:٢٧ بعضُهم قالوا: لأنَّ الماءَ الشديدَ الحرارة والشديدَ البرودة يُنافي إسباغَ الوضوء؛ لن تستطيع أن تُسبِغ الوضوءَ، يجعلك سريعًا عسى أن تنتهيَ لو كان الماءُ باردًا جدًّا أو حارًّا جدًّا.
٦٥:٤٧ وبعضُهم قال أيضًا: الأذى والألم؛ يعني إذا تأذَّى بهذا الماء الشديدِ الحرارة، تتلسَّع وتتأذَّى منه، والألمُ تعذيبُ النفس. والأذى والألمُ قريبٌ من الضرر، لكن ضررٌ وقتيٌّ. وهذا مَنهيٌّ عنه: المرءُ مَن يُؤذي نفسَه أو يتألَّم بذلك. فهم أخذوا هذا الوجهَ أو ذاك فقاسوه على الماء شديدِ البرودة وشديدِ السُّخونة في ذلك.
٦ — مسائلُ وأسئلةٌ من المجلس
٦٧:١٩ [هل المسألة اجتهادية؟] نعم هي اجتهاديَّةٌ، وهي تَخُصُّ المذهب؛ يعني الماءُ المُشمَّس عندنا في المذهب تجده فقط. وكما بيَّنّا: مسألةٌ فيها نظرٌ في مسألة الكراهة؛ لو ثبت طبيًّا فيبقى انتهى الأمرُ.
٦٧:٣٤ لكن هتجيء الأواني كثيرةً الآن؛ لأنه طبعًا مُقيَّدٌ عندنا بالأواني: عندك الخزاناتُ الحديدُ عندنا — تجري على كلام المذهب — ما فيها نشمُّس [أي ينطبق عليها].
٦٧:٤٧ وطبعًا تقسيمُ البلاد عند الفقهاء ممكن يتغيَّر؛ المناخُ بيتغيَّر الآن، أصبحت الحرارةُ ليست مئاتِ السنين من قبل، يعني أصبح عندنا حرارةٌ شديدةٌ؛ ممكن تقول إنَّ فيه شهورًا في السنة فيها شدةُ حرارةٍ، لكن في العموم مصرُ كمعتادٍ للحرارة.
٦٨:٠٨ [هل المشمَّس عند غير الشافعية؟] المُشمَّسُ تجده عند الشافعية فقط؛ المذاهبُ الأخرى والجمهورُ يُجيزون. الذي يقول لك المُشمَّسُ بالشروط دي عند الشافعية.
٦٨:٢٤ [فرقٌ مهمٌّ] «اختيارُ النووي» — لمَّا يقول لك «اختار النوويُّ» فافهم أنه خالف المذهبَ لثبوت دليلٍ عنده، لكن ليس المعتمَدَ في المذهب. الفتوى في المذهب عندنا على الرافعيِّ والنوويِّ يعني مجتهدَ فتوى: فيه فتاوى من الأصحاب يُرجِّح بينها. يعني مجتهدُ الفتوى غيرُ مجتهدِ أصولِ المذهب؛ مجتهدُ الفتوى عنده فتاوى الأصحاب موجودةٌ على مذهبٍ، قولين أو وجهين، هو يُرجِّح منهما، لا يَطلُع برَّاه.
٦٩:٠٠ فده عند الرافعيِّ والنوويِّ. إذن قلنا: إذا اجتمعا فهذا المعتمَد؛ وإذا خالف النوويُّ الرافعيَّ فالمعتمَدُ في المذهب قولُ النوويِّ. لكن ده ما بين الفتاوى الموجودة في المذهب نفسه؛ أما هنا فالنوويُّ خرج برَّه الموجودِ في كلام الأصحاب وأنشأ لنفسه اختيارًا، فده مش في المذهب.
٧٠:٠٣ [وهل استدلَّ الشافعيُّ بحديث عائشة؟] لا، الشافعيُّ قال: أكرهُ من جهة الطبِّ فقط، الشافعيُّ ما استدلَّش بحديث عائشة؛ الأصحابُ هم الذين استدلُّوا بالحديث، وبعدين المحقِّقون قالوا لهم: الحديثُ فيه ضعفٌ. فقالوا: حتى لو فيه ضعفٌ أُقِرُّه، لكن الضعفُ ده يَنضَمُّ إلى أثر عمر، فيكون على غلبة الظن.
٧١:١٨ [مسألةُ التيمُّم في الحضر] استحالةٌ أن تتيمَّم في الحَضَر! والذي يتيمَّم في الحَضَر لا تصحُّ صلاتُه — إلا مَن فَقَد الماءَ، أما الذي يتيمَّم لجُرحٍ أو نحوه فمسألةٌ أخرى. تيمُّمٌ بسبب فقد الماء في الحَضَر لا يصحُّ عند العلماء المحقِّقين؛ مش ممكن أنت في بلدنا مش هتلاقي الماءَ. لو العِمارةُ قُطِع عنها الماءُ: انزل في الشارع، امشِ كم عمارةً، ما لقيتش؟ طلَّع من جيبك جنيهين أو عشرة واشترِ زُجاجتَي ماءٍ وتوضَّأ بهما؛ أو انزل عند خالتك أو عمَّتك؛ أو اركب أوتوبيسًا ورُحْ توضَّأ عنده، أو رُحْ للمسجد التاني.
٧٢:٢٤ أما في الصحراء فخلاص، مفيش ماءٌ فتتيمَّم. ولو أنت ماشٍ على الطريق الصحراوي وقدَّامك محطةُ بنزينٍ بعدها بكيلومترين ومعك عربيَّةٌ — هتتيمَّم؟! هتمشي، تتعدَّى على الماء وتشتري زُجاجةً. فلا بدَّ المسألةُ تُضبَط.
✍️ أسئلة على هذا المبحث
١. عرِّف الماءَ المُشمَّس، وما حكمُه؟
٢. اذكر شروط كراهة الماء المُشمَّس.
٣. ما مستندُ الكراهة عند أصحاب المذهب؟
٤. ما معنى «الاختيار» عند العلماء؟ وبمَ خالف النوويُّ هنا؟
٥. لماذا استُثنِي إناءُ النقدين؟
٦. لماذا يُكرَه شديدُ السخونة والبرودة؟
١٣القِسمُ الثالث: الطَّاهرُ غيرُ المُطهِّر — الماءُ المُستعمَل
١ — القِسمُ الثالث: طاهرٌ في نفسه غيرُ مُطهِّرٍ لغيره
٧٨:٣٣ القِسمُ الثالث: طاهرٌ في نفسه غيرُ مُطهِّرٍ لغيره. قسَّمه المؤلفُ على قسمين: قِسمٌ مُستعمَلٌ، وماءٌ مُتغيِّرٌ بالطاهرات أو بطاهرٍ.
٧٩:٣٠ إذن هو سُلِب منه الطَّهوريَّةُ فأصبح طاهرًا؛ تظلُّ أنه طاهرٌ في نفسه موجودةً، لكن سُلِب منه أن يُطهِّر غيرَه. فمن الفرق بين الطَّهور والطاهر: هذا مش ناجسًا، هو طاهرٌ، لكن لا يُستخدَم لا في رفع الحدث ولا في إزالة النَّجَس.
٢ — تعريفُ الماء المُستعمَل: «ما أُدِّيَ به ما لا بُدَّ منه»
٧٩:٥٧ طيب، إيش بقى الماءُ المُستعمَل؟ أنا عايز تعريفًا سابقًا سهلًا — هنا ما كتبهوش.
٨٠:١٦ تقول: تعريفُ المُستعمَل: «ما أُدِّيَ به ما لا بُدَّ منه».
٨٠:٥٠ يعني ما استُعمِل في شيءٍ لا بدَّ منه أن يُستعمَل فيه — إذن شيءٌ واجبٌ. لو قلنا في رفع الحدث، فيبقى نقول للغُسل الواجب؛ ولو قلنا في الوضوء، فالغَسلةُ الأولى في الوضوء، هذا ما لا بدَّ منه أيضًا.
فائدةُ هذا التعريف: يدخل فيه غيرُ المكلَّف
٨١:١٧ لكن لما قال «ما أُدِّيَ به ما لا بُدَّ منه» — انتبه — دخل فيه المكلَّفُ وغيرُ المكلَّف.
٨١:٢٤ يعني لو صبيٌّ توضَّأ بماءٍ — غيرُ مميِّزٍ أو مميِّزٍ، أيُّ واحدٍ صبيٍّ صغيرٍ — توضَّأ أراد أن يصلي، أو وضَّأه وليُّه ليطوف معه طوافَ العمرة لأنَّ الشرطَ الطهارةُ؛ الماءُ الذي توضَّأ به هذا الصبيُّ مستعمَلٌ. ليه؟ أُدِّيَ به ما لا بدَّ منه؛ لأن الوضوءَ شرطٌ لصحة الطواف أو لصحة الصلاة. فسواءٌ الذي أدَّى به كان مكلَّفًا أو غيرَ مكلَّفٍ، المهمُّ أنه أُدِّيَ به ما لا بدَّ منه. فيبقى ضابطٌ مهمٌّ جدًّا في الماء المُستعمَل، وإن كان لا إثمَ عليه لو تركه — فالصبيُّ لو ما توضَّأش لا إثمَ عليه.
٨٢:٢٣ ودخل فيه غُسلُ الكافرة: واحدٌ متزوِّجٌ نصرانيَّةً، أو حتى نصرانيَّةٌ، واغتسلت بعد الحيض، أو طلب منها زوجُها المسلمُ أن تغتسل ليطأها بعد الطهارة أو النفاس — قال: هذا مستعمَلٌ، مع أنها ليست مسلمةً؛ هي أدَّت ما لا بدَّ منه، لأنَّ الكفارَ مُخاطَبون بفروع الشريعة. فلو اغتسلت من الحيض والنفاس بماءٍ وهي كافرةٌ فهذا الماءُ أُدِّيَ به ما لا بدَّ منه، فيُعتبَر ماءً مستعمَلًا.
وفائدةٌ ثانية: يدخل فيه وضوءُ الحنفيِّ بلا نيَّة
٨٣:٣٩ وانتبه، لما قال «في رفع حدثٍ» دي لفتةٌ مهمةٌ جدًّا، ليدخل معنا الحنفيُّ. يعني صاحبُ المذهب الحنفيِّ: الأحنافُ لا يشترطون في الوضوء النيَّةَ، يعني النيَّةُ عنده ليست شرطًا من شروط الوضوء؛ لو جاء عمل إيدَيه كده ووشَّه فهو توضَّأ، أدَّى الأركانَ. هذا الذي عند الحنفي.
٨٤:٠٥ طب لو جاء حنفيٌّ وتوضَّأ — ونحن عندنا النيَّةُ تُشترَط — فالماءُ هذا على كلام المؤلف: أدَّى به ما أُدِّيَ به عبادةٌ، حتى لو هو يرى أنَّ النيَّة ليست شرطًا عنده؛ لكن نحن شفنا أنه توضَّأ، فهذا الماءُ هو مستعمَلٌ عندنا أيضًا، مع أنه هو لا يرى النيَّةَ.
٨٤:٣٦ وإن لم يرتفع الحدثُ عندنا — عندنا ده رفعُ حدثٍ وما ارتفعش في المذهب لعدم وجود النيَّة — لكن هو توضَّأ به بالأركان، فهذا الوضوءُ اعتُبِر عندنا ماءً مستعمَلًا.
٨٤:٤٩ [عبارةٌ أخرى تكتبها] «ما رُفِع به حدثٌ».
- وضوءُ الصبيِّ المميِّز وغير المميِّز — ولا إثمَ عليه لو تركه
- غُسلُ الكافرة من الحيض والنفاس — لأن الكفار مخاطَبون بفروع الشريعة
- وضوءُ الحنفيِّ بلا نيَّة — وإن لم يرتفع الحدثُ عندنا
- ماءُ الغَسلة الثانية والثالثة في الوضوء
- ماءُ الوضوء المندوب وتجديدِ الوضوء
- ماءُ الغُسل المندوب
٣ — الفرضُ لا النفلُ: أمثلةٌ وضوابط
٨٥:٠١ أمثلةٌ: ماءُ المرة الأولى من وضوءٍ واجبٍ أو غُسلٍ [مستعمَلٌ]، بخلاف ماء غير المرة الأولى.
٨٥:٢١ ماءُ الوضوء المندوب أو الغُسل ليس مستعمَلًا. ماءُ المرة الثانية، أو وضوءٌ مندوبٌ — يعني هو متوضِّئٌ وقال: أنا عايز أتوضَّأ مرةً أخرى، كلَّ وقتها يتوضَّأ، ده وضوءٌ مندوبٌ — فيبقى الماءُ الذي توضَّأ به أيضًا غيرُ مستعمَلٍ.
٨٥:٤١ اغتسل وأراد أن يُعيد الغُسلَ — وإن كان الغُسلُ ليس فيه عددٌ كالوضوء — لكن ماءُ الغُسل هذا أيضًا ليس واجبًا، فهو غيرُ مستعمَلٍ.
٨٥:٥٦ إذن علمنا أنه [ليكون مستعمَلًا] أن يُستعمَل في فرض الطهارة، بخلاف نَفْلِها.
مسألةٌ: لو نَذَرَ أن يتوضَّأ لكل صلاةٍ
٨٦:١٦ طب لو نَذَرَ أن يصلي ركعتين، أو نذر أن يتوضَّأ لكل صلاةٍ — والنَّذرُ واجبٌ — هل نُعايره بالأصل؟ وإن كان الوضوءُ لم يكن عنده حدثٌ وهو توضَّأ وضوءًا على وضوءٍ فيكون غيرَ مستعمَلٍ؛ أم نُحاسبه بما أصبح عارضًا عندنا وهو النَّذرُ الواجبُ، فيكون هذا ماءً مستعمَلًا؟
٨٦:٥١ الصحيحُ في المذهب: لا؛ سنعمل بأصل الوضوء أنه مندوبٌ، وليس لأنه نَذَرَ فتحوَّل واجبًا؛ لأنَّ هذا عارضٌ، النَّذرُ عارضٌ. فنرجع للأصل وأنَّ وضوءه مندوبٌ. لكن لو كان وضوءًا عن حدثٍ فيبقى هذا مستعمَلٌ.
٤ — شروطُ الماء المُستعمَل الثلاثة
الشرط الأول: أن يكون قليلًا (دون القُلَّتين)
٨٧:٢٩ قالوا: أن يكون قليلًا؛ يعني القليل عندنا ضابطُه كما سيأتي معنا القُلَّتان: ما دون القُلَّتين دي تُعتبَر ماءً قليلًا. هيأتي مسألةُ القُلَّتين كم وزنُهما وحكمُهما.
٨٧:٥٥ لو جبتَ طبقًا فيه مياهٌ وتوضَّأتَ، وأخذتَ الماء ده في الطبق دون القُلَّتين، فيبقى ده مستعمَلٌ.
٨٨:٠٩ طب جاء واحدٌ توضَّأ بالطبق وخلص وحطَّه، وجاء واحدٌ تانٍ توضَّأ بماءٍ قليلٍ دون القُلَّتين وحطَّه في طبقٍ، وجاء واحدٌ تالتٌ توضَّأ بماءٍ دون القُلَّتين ووضعه في طبقٍ أيضًا؛ وأخذنا الأطباقَ كلَّها وحطَّيناهم في حوضٍ كبيرٍ فبلغ القُلَّتين — لم يَعُدْ مستعمَلًا!
٨٨:٣٢ فيبقى متى يكون مستعمَلًا؟ إذا كان الماءُ دون القُلَّتين. إذا جمعتَ الماءَ ده كلَّه وبلغ قُلَّتين خرج منه مسألةُ الاستعمال، وأصبح الماءُ طَهورًا يصحُّ الاستعمالُ به.
الشرط الثاني: أن يُستعمَل في فرض الطهارة / أن يُزال به مانعٌ
٨٩:٠١ ثاني شيءٍ مهمٌّ جدًّا: أن يُستعمَل في فرض الطهارة. والأَولى أنك تقول: «أُزيلَ به مانعٌ» — الجملةُ دي مهمَّةٌ جدًّا.
٨٩:٣٤ يعني يكون عندك مانعٌ من الصلاة مثلًا، أيًّا كان، فاستخدمتَه في إزالة هذا المانع. وده أعمُّ من أن تقول «في فرض الطهارة» فقط.
٨٩:٥٤ لذلك قلنا في الكافرة لو اغتسلت: فده أُزيل به مانعٌ للطهارة. وكذلك الصبيُّ. إذن هنا «أُزيلَ به مانعٌ» هو نفسُه معنا «يُستعمَل في فرض الطهارة»، لكن الأَولى أن تقول «ما أُزيلَ به المانعُ».
الشرط الثالث: أن يَنفصِل عن العضو
٩٠:١٤ الثالث: أن يَنفصِل عن العضو — دي مهمَّةٌ جدًّا. متى يكون الماءُ مستعمَلًا؟
٩٠:١٩ بعضُ الناس تَفتكِر أنه لما يجيب طبقًا وفيه ميَّةٌ واغترف منه وتوضَّأ، الباقي من الماء هو ده المستعمَل. ده اسمه فَضْلُ الماء، وليس الماءَ المُستعمَل. يعني جبتَ طبقًا وتوضَّيتَ، أخذتَ ماءً وتوضَّيتَ، تبقَّى منه ماءٌ — هذا فَضْلُ الماء، هذا ليس مستعمَلًا.
٩٠:٣٧ ما هو الماءُ المُستعمَل؟ أن يَنفصِل عن العضو. يعني أنا توضَّأتُ، في ماءٍ نزل، طولَ ما هو في إيدي هو لسه مش منفصلًا؛ لو انفصل عن إيدي أصبح هذا مستعمَلًا.
تطبيقٌ: الانغماسُ في الحوض
٩٠:٥٣ يعني عندي حوضٌ صغيرٌ دون قُلَّتين، والرجلُ انغمس في الحوض وتوضَّأ، أو نقول: أنا على جنابةٍ فنزل في الحوض — بانيو صغير — ارتفعت الطهارةُ [أي الحدث] أولًا أم لا؟ ارتفعت، صحيح. وهو لسه في الماء: الماءُ الذي فيه ده مستعمَلٌ أو لسه مش مستعمَلٍ؟ لسه مش مستعمَلٍ، لأنه لسه هو في الماء.
٩١:٢٥ طب لو انتقض وضوءُه وهو في الماء فأراد أن يتوضَّأ، يصحُّ استعمالُ الماء؟ يصحُّ.
٩١:٣٣ طب لو انغمس ورفع طهارتَه بالجنابة واغتسل وطلع — أصبح الآن الماءُ الذي في الحوض مستعمَلًا؛ فلو أحدث لا يصحُّ استعمالُه.
٩١:٥٤ فيبقى عرفتم مسألةَ الانفصال عن العضو: الماءُ المُتردِّد على العضو لا يُعدُّ مستعمَلًا؛ متى يكون مستعمَلًا؟ الشرط الثالث: أن يَنفصِل.
تطبيقٌ آخر: الحوضُ الكبير فوق القُلَّتين
٩٢:٠٨ طب لو حوضٌ كبيرٌ فوق القُلَّتين، ونزل واحدٌ غَطَس وكان عنده جنابةٌ أولًا وطلع، ونزل الثاني وطلع، ونزل الثالث وطلع — رُفِعت الجنابةُ عنهم أم لم تُرفَع؟ رُفِعت؛ لأنَّ الماءَ ده أكبرُ من قُلَّتين فلا يكون في حكم المستعمَل. فلو جاء واحدٌ غَطَس ورفع جنابتَه، ونزل التالي غَطَس — حمَّامُ بسين، حمَّامُ السباحة — وارتفع كلُّ هؤلاء، ارتفعت جنابتُهم وصلَّوا. لكن لو انغمس في ماءٍ قليلٍ، هذا الذي يكون مستعمَلًا.
٥ — المُستعمَل في إزالة النَّجَس
٩٣:٢٩ المُستعمَلُ بقى في إزالة النَّجَس: متى يكون مستعمَلًا؟
٩٣:٣٢ خلِّي بالكم، «إزالةُ النَّجَس» هنا لما قال: كلُّ النَّجَس حتى النَّجَسُ المعفوُّ عنه. يعني انتبهوا: لو نقَطَ دمُ بُرغوثٍ أو ذبابةٍ، ورُحتَ جبتَ ماءً وشَلتَه — ده معفوٌّ عنه، لكنه أزال به نَجَسًا — فهذا الماءُ يُعتبَر مستعمَلًا. لأنه لما قال «إزالةُ نَجَسٍ» نكرةٌ في سياق الإثبات [تُفيد الإطلاق]، فإزالةُ كلِّ النَّجَس، قليلٍ أو كثيرٍ، استُعمِل فيه الماءُ فأصبح ماءً مستعمَلًا لا يجوز التطهُّرُ به بعد ذلك.
٩٤:١١ فقال: والمُستعمَلُ في إزالة النَّجَس هي المرَّةُ الأولى في غير النجاسات الكلبيَّة، وفي الكلب السابعةُ.
٩٤:٢١ لأنَّ غيرَ الكلب عندنا من أول مرَّةٍ هي الواجبةُ؛ لو أُزيلت بالمرة عينُ النجاسة وآثارُها فيبقى الباقي هذا نافلةٌ. لكن في الكلب عندنا السابعةُ، فالمرَّةُ السابعة هي التي يُرفَع بها الواجبُ، فما زاد بعد ذلك لا يكون مستعمَلًا.
٩٤:٤٣ فيبقى هنا المُستعمَلُ في إزالة النجاسة: ماءُ المرَّة الأولى لغير النجاسات الكلبيَّة، وماءُ السابعة فيها، بخلاف الثانية والثالثة.
| النجاسة | الغَسلةُ التي ماؤُها مستعمَلٌ | وما عداها |
|---|---|---|
| النجاساتُ العاديَّة | المرَّة الأولى (لأنها الواجبة) | الثانية والثالثة نافلةٌ، فماؤها غيرُ مستعمَلٍ |
| النجاسةُ الكلبيَّة | المرَّة السابعة (لأنها التي يرتفع بها الواجب) | ما زاد بعدها ليس مستعمَلًا |
٦ — شرطا الغُسالة: ألَّا تتغيَّر وألَّا يزيد وزنُها
٩٥:٠٨ قال: «إن لم يتغيَّر». لا بدَّ — مش أيُّ ماءٍ: أنت بتُزيل النجاسة بالماء، لا بدَّ تنظر إلى الماء الخارج الذي نُسمِّيها الغُسالة؛ الغُسالةُ التي طلعت. يعني واحدٌ عنده ثيابٌ تنجَّست فعايز يغسلها، فبيغسلها بماءٍ، الذي طلع بعدما يتمرَّر الماءُ عليها بتطلع الغُسالةُ. فهذه لا بدَّ تنظر في هذه الغُسالة:
الأول: ألَّا تتغيَّر
٩٥:٣٧ أولًا قال «إن لم تتغيَّر»: فيبقى أولُ شيءٍ عندنا ألَّا تكون الغُسالةُ دي متغيِّرًا لونُها، ولا طعمُها، ولا رائحتُها. لو فيها رائحةٌ لنجاسةٍ موجودةٍ فيها، أو لونٌ متغيِّرٌ اصفرارٌ أو شيءٌ، أو لو تذوَّقتَ فيها طعمًا — فيكون ذلك.
٩٥:٥٩ فيبقى لا بدَّ ألَّا يبقى للنجاسة طعمٌ ولا لونٌ ولا رائحةٌ؛ لو بقي فهذه الغُسالةُ ناجسةٌ أيضًا.
الثاني: ألَّا يزيد وزنُه
٩٦:١٦ قال هنا: «ولم يَزِدْ وَزنُه بعد انفصاله عمَّا كان [بعد اعتبار ما يتشرَّبه المغسولُ من الماء]».
٩٦:٤٢ في تقديرٍ هنا — محتاجةٌ تقديرًا شويَّةً، شغِّلوا دماغَكم معايا: طيب عندك ثوبٌ، قدِّروا بأنَّ الثوبَ لما يمشي عليه خمسةُ لترات بيحتفظ بلترٍ — الملابسُ بتشفط لترًا معها — ويتبقَّى أربعةٌ.
٩٧:٠٢ اللِّترُ ده الذي بتاخده بتُطلِّعه نصفَ لترٍ، يعني هي بتسحب منه: بيعدِّي لترٌ وتأخذ منه نصفًا وتلاقي ينزل منها نصفٌ. فأنت أصلًا حطَّيتَ خمسةً؛ إذا طلعتَ لقيتَ المِيَّة الموجودة الطالعة أربعةً ونصفًا — يبقى أقلَّ من الذي دخَّلته — فيبقى طَهُرَ.
٩٧:١٧ لكن لو لقيتَه زيادةً عن خمسةٍ — يبقى هو خمسةٌ طلعت ومعها زيادةٌ بالنجاسة الموجودة في الوزن يعني — فيبقى أنت ما زال الماءُ ده نَجِسًا. دي خلاصةُ الجملة التي قالها هنا، وبسَّطتُها لكم كده التي تعرف بها: هل ما زالت الغُسالةُ نجسةً أم طَهُرت؟
٩٧:٤٥ نَقِفُ عند المُتغيِّر — القسمُ الثاني من الطاهر — ده لا بدَّ نُفرِده بتفصيلٍ إن شاء الله.
✍️ أسئلة على هذا المبحث
١. عرِّف الماءَ المُستعمَل، وما فائدةُ التعريف بـ«ما أُدِّيَ به ما لا بُدَّ منه»؟
٢. اذكر شروطَ الماء المُستعمَل الثلاثة.
٣. رجلٌ انغمس في حوضٍ صغيرٍ لرفع الجنابة، ثم انتقض وضوؤه وهو فيه — هل يتوضأ منه؟
٤. ثلاثةٌ توضَّأ كلٌّ منهم بماءٍ قليلٍ، ثم جُمِع الماءُ فبلغ قُلَّتين — ما حكمه؟
٥. متى يكون ماءُ إزالة النجاسة مستعمَلًا؟
٦. ما شرطا طهارة الغُسالة؟
٧. ما الفرق بين فَضْل الماء والماء المستعمَل؟
١٤تتمَّةُ الماء المُستعمَل: إزالةُ الخَبَث، ونيَّةُ الاغتراف
١:١٨ ما زلنا في شرح كتاب «فتح القريب المجيب»، وما زلنا في باب أقسام المياه. إن شاء الله اليوم نحاول ننتهي من باب المياه، نأخذ ما تبقَّى لنا من الأقسام.
٤:٠٦ نُراجع ونحن نشرح. القسم الثالث: الطاهرُ في نفسه غيرُ المُطهِّر لغيره — إذن هو طاهرٌ لكنه لا يُستخدَم في الطهارة، لا يُطهِّر الغيرَ، يعني لا يرفع حدثًا ولا يُزيل نجسًا. وهو قسَّمه لقسمين: ماءٌ مستعمَلٌ، وماءٌ متغيِّرٌ.
٥:٠٥ والماءُ المستعمَل على قسمين: في رفع حدثٍ، وفي إزالة خَبَثٍ؛ وكلُّ نوعٍ له شروط.
١ — مراجعةُ شروط المستعمَل في رفع الحدث
٥:١٥ قلنا في رفع الحدث، ما معنى أن يكون الماءُ مستعمَلًا؟
٥:١٩ أولًا: أن يكون قليلًا — وكان دون القُلَّتين؛ هذا الذي يُسمَّى ماءً مستعمَلًا. طب لو كان أكثرَ من قُلَّتين، أو قُلَّتين، لا يكون مستعمَلًا أبدًا، يظلُّ على طَهوريَّته.
٥:٥١ الشرط الثاني: أن يُستعمَل في فرض الطهارة — يعني في طهارةٍ واجبةٍ؛ لذلك قلنا: الغُسلُ من الجنابة، الغَسلةُ الأولى من الوضوء، لأنها الفرض.
٦:١٣ وأنا وضعتُ بين قوسين: «أُزِيلَ به مانعٌ». والمشهور هنا «أن يُستعمَل في فرض الطهارة»، لكن بعض الشُّرَّاح تجده يقول «أُزيلَ به مانعٌ» — يعني الضابطُ أن يُزال به مانعٌ.
٦:٣٥ ليدخل فيه غُسلُ الكتابيَّة؛ لأنَّ غُسلَ الكتابيَّة تستبيح به وطءَ الزوج. أو صبيٌّ توضَّأ — هو ليس عليه فرضُ طهارةٍ، لكن حتى يُصلِّي لا بدَّ أن يتوضَّأ، فكان الحدثُ هو المانعَ.
٧:٢٧ لكن لو قلنا: ما استُعمِل في تجديد الوضوء، في الغَسلة الثانية في الوضوء أو الثالثة — هذا لا يُعدُّ [مستعمَلًا]، واستقبلتَه أنت وكان حتى قليلًا، لكن استقبلتَه في طبقٍ أو شيءٍ — لا يُعدُّ هذا مستعمَلًا؛ لأنه ليس في فرض طهارة.
٧:٤٨ الثالث: أن يَنفصِل عن العضو — وهي مهمَّةٌ جدًّا؛ الماءُ المتردِّد على العضو ليس مستعمَلًا.
٧:٥٦ واستدلُّوا من السنة: على أنَّ النبيَّ ﷺ كان يمسح رأسَه ثم أخذ من رأسه ماءً وخلَّل لحيتَه؛ فكأنَّ الماءَ الذي أخذه مع الرأس إلى اللحية لم ينفصل، فكان مترددًا على الرأس، فلذلك استعمله ولا يُعدُّ هذا ماءً مستعمَلًا.
٦١:٣١ [على سؤالٍ] هل يجب أن تتوفَّر كلُّ الشروط أم لو توفَّر شرطٌ واحدٌ؟ لا بدَّ هذه كلُّها: في رفع الحدث لا بدَّ من الثلاثة؛ قليلٌ، وتستخدمه في فرضٍ، ولا بدَّ أن ينفصل. وإلا — لو ما انفصلش ولسه متردِّدًا، كالحوض الذي رجلٌ نزل فيه — ليس مستعمَلًا.
٢ — المستعمَلُ في إزالة الخَبَث: خمسةُ شروط
٨:٣٤ أما في إزالة الخَبَث — الماءُ الذي استُعمِل في إزالة النجاسة — متى يكون مستعمَلًا؟
الشرط الأول: أن يكون قليلًا
٨:٤٦ أولًا أيضًا أن يكون قليلًا. انتبه: هنا قليلٌ وهنا قليلٌ؛ لأنَّ الماءَ المستعمَل ضابطُه كلُّه أن يكون قليلًا من ضمن شروطه. لو كان كثيرًا فوق القُلَّتين لا يُعدُّ مستعمَلًا، سواءٌ في إزالة النَّجَس أو في رفع الحدث.
الشرط الثاني: وُرودُه على النجاسة
٩:٠٧ الأمر الثاني: وُرودُه على النجاسة. وهذا ضابطٌ عندنا في الشافعية مهمٌّ جدًّا وهو راجحٌ: فيه فرقٌ بين وُرودِ الماءِ على النجاسةِ ووُرودِ النجاسةِ على الماء.
٩:٢٦ يعني أنت الآن عندك كوبٌ فيه ماءٌ، ثم وقعت فيه نجاسةٌ — هذه النجاسةُ وردت على الماء. أو تجد على الأرض نجاسةً فتأخذ هذه الزجاجةَ وتَرِدُ على النجاسة، الماءُ هو الذي يُصبُّ عليها. في فرقٌ كبيرٌ عندنا.
٩:٥٩ لو وردت النجاسةُ على الماء — وخلِّينا في الماء القليل دون قُلَّتين — نجَّسته، بدون النظر: تغيَّر أو لم يتغيَّر. لو نجاسةٌ وقعت في ماءٍ قليلٍ، في كوبٍ، في كوزٍ، في حوضٍ، في طبقٍ — حلَّت ووردت على الماء — تنجَّس هذا الماءُ.
١٠:٢٩ لكن لو الماءُ هو الذي أتى على النجاسة، فاللهُ جعل له قُوَّةَ الدفع، يدفع النجاسةَ ويُزيلها.
١٠:٤٨ طب من أين التفرقةُ؟ من السنة: لما بال الأعرابيُّ في المسجد وقام الصحابةُ عليه ليفتكوا به، قال: «دَعُوه ولا تُزرِموه»، ثم بعد ذلك أمر بذَنوبٍ من ماءٍ أو سَجْلٍ من ماءٍ ليُصبَّ عليه. فإذن النجاسةُ بولٌ، والذَّنوبُ خزَّانُ ماءٍ — لا، هو مجرَّدُ ماءٍ قليلٍ حتى — لكنَّ النبيَّ ﷺ أمره بصبِّ هذا الماء على النجاسة ليُطهِّره.
١١:٢٣ وفي المقابل: قال النبيُّ ﷺ: «إذا قام أحدُكم من نومه ليلًا فلا يَضَعْ يدَه في الإناء قبل أن يَغسِلها ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يدُه».
١١:٤٢ فقال إمامُنا الشافعيُّ في التفسير: «لا يدري أين باتت يدُه» — الصحابةُ والعربُ كانوا قديمًا في الجزيرة العربية، جَوٌّ حارٌّ، وكانوا يَستجمِرون (الماءُ كان قليلًا)، فكان يُزال العينُ ويبقى بعضُ الأثر؛ فلما ينام ويكون الجوُّ حارًّا ويدُه ممكن تَحِكُّ في موضع النجاسة هذه، فقد يأتي في أصابعه شيءٌ وهو نائمٌ ما يدري.
١٢:١٨ والإناءُ ما كانش فيه حنفيَّةٌ وصُنبورٌ يفتحه؛ كان فيه إناءٌ هو يضع [يدَه] في الماء. فلا يضع يدَه في الإناء، لأنه لو وضع يدَه وكانت فيها نجاسةٌ نجَّس الماءَ. فنهى النبيُّ ﷺ. طبعًا يَميل الإناءَ على يده من الخارج ويَغسِل أولًا، ثم يضع يدَه في الإناء بعد ذلك.
١٢:٤٥ فإذن وجدنا أنَّ الشرعَ فرَّق بين وُرود الماء على النجاسة ووُرود النجاسة على الماء. فهذا ضابطٌ مهمٌّ جدًّا تنتبه له.
الشرط الثالث: ألَّا يزيد وزنُه
١٣:١٢ الأمر الثاني [الثالث]: لم يَزِدْ وزنُه. أنت لما تجيب الآن لترَ ميَّةٍ، وفي نجاسةٍ تريد تزيلها، تصبُّها؛ فلما استقبلتَ الماءَ لو قدَّرتَ لترًا ومئةَ جرامٍ — الزيادةُ دي تكون جاءت من أين؟ من المحل النَّجِس؛ لأنه لما جاء الماءُ ودفع المحلَّ أخذ معه النجاسةَ. إذن لو وجدنا أنَّ الماءَ زاد فيبقى علمنا أنه حمل نجاسةً، فيبقى هذا ليس مستعمَلًا، ده يكون نَجِسًا.
١٣:٤٧ طب لو الماءُ كان لترًا، ولما خرج من المحل أصبح لترًا إلا رُبعًا — يعني قلَّ — إذن المحلُّ يَشرَب من الماء الذي أنا حطَّيته عليه، وما تبقَّى هذا الخارجُ ليس زائدًا بل أقلَّ؛ إذن لم يحمل معه نجاسةً.
١٤:٠٦ دي ممكن تحصل: لو غسلتَ غَسلةً أولى هتلاقي فيها نجاسةً بتطلع؛ الثانية والثالثة بعد ما يَطهُر المحلُّ هتلاقي الماءَ الذي بيخرج — التي هي الغُسالة — مش زائدةً، إما بنفس القدر أو قلَّت.
الشرط الرابع: ألَّا يتغيَّر
١٥:٠٨ الثالث [الرابع]: أنه لم يتغيَّر. إذن الماءُ المستعمَل لو أُزيلت به نجاسةٌ وتغيَّر لونٌ أو ريحٌ أو طعمٌ من النجاسة فيبقى تنجَّس. لكن إن لم يتغيَّر فيبقى باقٍ على الأصل أنه طاهرٌ، لكن لأننا أزلنا به نجاسةً أصبح طاهرًا غيرَ مُطهِّرٍ، الذي هو الماءُ المستعمَل.
الشرط الخامس: أن يَطهُر المحلُّ
١٥:٣٤ الرابع والخامس: أن يَطهُر المحلُّ؛ يعني المحلُّ الذي أنا كنتُ بحطُّ عليه الماءَ، نظرتُ إليه فوجدتُ أنه طَهُرَ خلاص؛ فالغُسالةُ التي بعد أن طَهُرَ المحلُّ هتكون طاهرةً. لكن لو المحلُّ لسه نجسًا — وأنا رأيتُ النجاسةَ فيه، إما لونًا أو رائحةً أو طعمًا — فيبقى الماءُ الخارجُ مرَّ على نجاسةٍ وهو نجسٌ لأنه قليلٌ.
١٦:٠٢ إذن من الشروط الخمسة حتى يُعتبَر الماءُ مستعمَلًا — يعني هيظلُّ طاهرًا، ممكن يستخدمه في شيءٍ ثانٍ، حتى لو لم يستخدمه في الطهارة، لكن يقدر يستخدمه في غَسل الثياب، في شُربٍ، في أيِّ شيءٍ تنظيفٍ، بس يُسمَّى طاهرًا.
٦٢:٢٧ [على سؤالٍ] في إزالة الخَبَث لا بدَّ الخمسةُ يكونوا موجودين؛ لأنه لو ما تحقَّقتش الخمسةُ هتلاقي أنَّ الماءَ لسه ما زال نجسًا.
- أن يكون قليلًا دون القُلَّتين
- أن يُستعمَل في فرض الطهارة / أُزيلَ به مانعٌ
- أن يَنفصِل عن العضو
- أن يكون قليلًا
- أن يَرِدَ الماءُ على النجاسة
- ألَّا يزيد وزنُه بعد الانفصال
- ألَّا يتغيَّر بالنجاسة
- أن يَطهُر المحلُّ
٣ — مسألةُ انغماسِ رجلين في الحوض
٣٨:١٠ [تطبيقٌ من المجلس] هو لسه في الحوض ما طلعش، خارجَ جسمه هو في المِيَّة. الماءُ المتردِّد على العضو — هو لسه قاعدٌ في البانيو والماءُ حواليه — لما ما خرجش ارتفع الحدثُ، تمام؟ وهو في الماء انتقض وضوؤه فنوى وضوءًا، فما حكمُ وضوئه؟ صحيحٌ.
٤٠:٢٤ فده زيدٌ. فلاقى عمرُ زيدًا موجودًا في المِيَّة والمِيَّةُ بَرْدٌ، قال له: أنا كمان عايز أتطهَّر. فنزل عمرُ جنبَ زيدٍ في الحوض عشان يتطهَّر هو كمان من الجنابة. ما حكمُ هذا الماء بالنسبة لعمرَ؟
٤١:١١ حكمُ الماء بالنسبة لزيدٍ الذي دخل أولًا: هو لسه ماءٌ لم يُستعمَل، لأنه ما خرجش من عضو زيدٍ. لكن في حقِّ عمرَ الذي نزل: هو ماءٌ مستعمَلٌ، لأنَّ زيدًا استعمله في رفع حدثه بالفعل. لكنَّ التردُّدَ هذا لصاحب الماء الذي نزل فيه — التردُّدُ على العضو — لما ينفصل عن عضوه يكون مستعمَلًا في حقِّه. لكن لو نزل غيرُه في الحوض أصبح هذا الماءُ مستعمَلًا بسبب استخدام زيدٍ له. طبعًا ده دون القُلَّتين، كلُّ ده دون القُلَّتين.
| الماءُ في الحوض الصغير | في حقِّ زيدٍ (المنغمِس فيه) | في حقِّ عمرَ (الذي نزل بعده) |
|---|---|---|
| الحكم | ليس مستعمَلًا — ما دام لم ينفصل عن عضوه | مستعمَلٌ — لأن زيدًا رفع به حدثَه |
٤ — نيَّةُ الاغتراف
٤٢:١٠ مسألةُ الاغتراف: الآن عندك حوضٌ أو طبقٌ فيه ماءٌ، وأنت تريد أن تأخذ منه، هتوضع يدَك وتغترف لتغتسل أو تتوضَّأ.
٤٢:٢٨ طبعًا أنت لو أخذتَ الماءَ من الحوض أو من الطبق ونزل من إيدك — إذا كده استُعمِل.
٤٢:٤٤ متى لا يكون مستعمَلًا؟ قالوا: لا بدَّ لك من نيَّةٍ اسمُها نيَّةُ الاغتراف. يعني أنت تضع يدَك عشان تغترف، لا لتغسل يدَك في الوضوء أو تغسل يدَك كعضوٍ في الغُسل؛ بل تنوي نيَّةً اسمُها الاغترافُ حتى تخرج من الاستعمال.
٤٣:١٢ طب متى تنوي الاغترافَ؟ بالنسبة للغُسل: بعد نيَّة الغُسل — تنوي الغُسلَ ثم تنوي الاغترافَ، في أول شيءٍ.
٤٣:٢٢ في الوضوء: أنت لو أخذتَ [ماءً] بيدك في الأول للوجه فده لا إشكال، أخذتَ ماءً لغسل الوجه. لكن لما تيجي تأخذ [ماءً] لليدين — وأنت أصلًا أخذتَ للوجه — لا بدَّ تنوي قبل غسل اليدين أنَّ الماءَ هذا اغترافٌ.
٤٣:٤٤ إذن: نيَّةُ الاغتراف في الغُسل بعد نيَّة الغُسل، قبل ما تبدأ الغُسلَ كلَّه. ونيَّةُ الاغتراف بالنسبة لليدين في الوضوء: بعد غسل الوجه وأنت عند إرادة غسل اليدين. ولو أنت لم تَنوِ الاغترافَ عند غسل اليدين هيكون الماءُ مستعمَلًا.
٤٤:٢٨ لو أخذتَ الماءَ ليدك في الوضوء ولم تَنوِ الاغترافَ، كأنك أخذتَه وطلَّعتَه من الحوض أو من الطبق؛ أصبح الماءُ في الطبق ده مستعمَلًا، لأنك حطَّيتَ إيدَك وانفصل عن إيدك، فلما انفصل عن إيدك أصبح الماءُ الذي جُوَّه مستعمَلًا كلُّه، مش هتستخدمه تاني. طب أعمل إيه؟ أنوي الاغترافَ قبل غسل اليدين.
٤٤:١٠ طبعًا ده أيضًا لو ماءٌ قليلٌ؛ لكن لو أنت في البحر أو في النهر مش محتاجٌ الكلامَ.
مناقشةُ المسألة
٥٧:٥٠ [سؤالٌ: أليس فيها مشقَّةٌ على الناس؟] فعلًا، لا بدَّ للإنسان أن يتعلَّم الواجبات: الصلاةُ واجبةٌ، وبالتالي الطهارةُ للصلاة واجبةٌ، ولا بدَّ تتعلَّم كيف تتوضَّأ وكيف تُزيل النجاسةَ. لكن هي ممكن تقول مسألةٌ خفيَّةٌ تحتاج إلى تعلُّمٍ.
٥٨:٢٩ والمسألةُ — أظنُّ ما فيش حدٌّ من المتقدِّمين تكلَّم فيها؛ أغلبُ من تكلَّم فيها كان المتأخِّرين، مسألةُ نيَّة الاغتراف. وبعضُهم قال: إنَّ هذا يَخفَى على العوامِّ أيضًا. فممكن القول ده يكون مرجوحًا؟ — نعم، مسألةٌ فرعيَّةٌ اجتهد فيها المتأخِّرون وأضافوها.
٦٠:٥٠ [اعتراضٌ آخر] بعضُهم ردُّوا على المتأخِّرين فقالوا: ليه تطلبه بالنيَّة؟ ما هو لما وضع يدَه يريد غسلَ اليدين فهو ناوٍ هكذا. فبعضُهم تكلَّم في هذه المسألة أنَّ النيَّةَ موجودةٌ أصلًا، ولذلك بعضُهم قالوا: لا يَحتاج.
٥ — مسائلُ وأسئلةٌ من المجلس
٦٤:٥٦ [س: رجلٌ توضَّأ على وضوءٍ ويريد أن يصلي نافلةً — هل ماؤه مستعمَلٌ؟] لو توضَّأ على وضوءٍ — يعني وضوءٌ نافلةٌ مش على حدثٍ — فده مش مستعمَلٍ، غيرُ مستعمَلٍ، لأنه لم يُزَلْ به مانعٌ؛ هو على وضوئه.
٦٦:٥٦ [س: نقطةُ ماءٍ مستعمَلٍ دخلت في الماء المطلق؟] نقطةٌ مش هتغيِّره — يعني التقديريُّ: تجيب نفسَ الكميَّة عصيرَ رمَّانٍ، طعمُه تغيَّر؟ طب عصيرَ عنبٍ، اللونُ تغيَّر؟ ما بقاش اللونُ ده بقى أحمرَ، يبقى خلاص تغيَّر؛ حطَّيت اللُّبانَ [اللاذَن] تغيَّرت الرائحةُ؟ ما بقاش رائحته العادية — يبقى تغيَّر.
٦٦:٥٢ [س: الغسَّالة والصابون] أغلبُ الأمهات لما يجيء ابنُها وثوبُه فيه نجاسةٌ، تضعه في الغسَّالة وتحطُّ صابونًا، فيختلط به وتستخدمه في إزالة هذه النجاسة! — الغسَّالةُ في الأول بتحطُّ مِيَّةً وبتَطرُدها، وبعدين بتَسحَب صابونًا وتطرده، وبعد كده تجيب مِيَّةً تشطف؛ فأنت في وقتٍ من الأوقات في مِيَّةٍ فقط عدَّت عليه، فبالتالي ده بيحلُّ إشكالَك.
٦٨:٠٢ والأفضل: أن تُشطَف الملابسُ أولًا برَّه وتُبانَ على الطبق، وبعدين تتحطُّ بعد الشطف، بعد ما تشوف بالماء تشالت النجاسةُ.
✍️ أسئلة على هذا المبحث
١. ما الفرق بين ورود الماء على النجاسة وورود النجاسة على الماء؟ وما الدليل؟
٢. اذكر شروط الماء المستعمَل في إزالة الخَبَث.
٣. ما دليلُ أن الماء المتردِّد على العضو ليس مستعمَلًا؟
٤. زيدٌ منغمسٌ في حوضٍ صغيرٍ رفع به جنابتَه، فنزل عمرُ معه — ما حكمُ الماء لكلٍّ منهما؟
٥. متى تُنوَى نيَّةُ الاغتراف في الغُسل وفي الوضوء؟
١٥الماءُ المُتغيِّر بما خالَطَه من الطَّاهرات
١ — «أحدُ أوصافه»: اللونُ والطعمُ والريحُ فقط
٤٥:١٧ قال «والمتغيِّر» — هذا الجديدُ اليوم: ومن هذا القسم الماءُ المتغيِّر أحدُ أوصافه، «بما» أي بشيءٍ خالَطه من الطاهرات.
٤٥:٣٤ هنا عطف الماءَ المتغيِّرَ على الماء المستعمَل، فيبقى القسمُ الثالث له نوعان: المستعمَلُ والمتغيِّر. [والأصحُّ أن يقال «نوعان» لا «قسمان»، لأنَّ تحت القسم أنواعًا.]
٤٦:٢٥ قال «أحدُ أوصافه» — وهي الطَّعمُ واللونُ والريحُ؛ لا يوجد علاقةٌ لا بالحرارة ولا بالبرودة، ثلاثةُ أوصافٍ فقط التي تؤثِّر: الطعمُ واللونُ والريح.
٤٦:٣٩ قال: «تغيُّرًا يمنع إطلاقَ اسم الماء عليه» — لما التغيُّرُ الذي حدث يَطرأ، هتقول «دي ماءُ لمونٍ»، «عصيرُ لمونٍ»، هتقول «ماءُ وردٍ» — فيبقى يمنع إطلاقَ اسم الماء عليه. أو مثلًا عسلٌ دخل في الماء، هتقول: تغيَّر الماءُ بالعسل، فلا يمكن أن يكون هذا ماءً. أو جِيرٌ، أو الجِبس الذي يُسمَّى عند العمَّال وأهل الصنعة، أو مِسكٌ أو زعفرانٌ أو دقيقٌ أو قَطِرانٌ — كلُّ ده لو نزل في الماء، لما تراه لا تقول إنَّ هذا ماءٌ مطلقٌ، تغيَّر.
٤٧:٤٠ قال: «فإنه طاهرٌ غيرُ طَهورٍ» — إذن هو طاهرٌ، ممكن تستخدمه في أشياء أخرى لا إشكال، لكن لا تتطهَّر به.
٢ — التغيُّرُ الحِسِّيُّ والتغيُّرُ التقديريُّ
٤٧:٥٩ قال: «سواءٌ كان التغيُّرُ حِسِّيًّا أو تقديريًّا».
٤٨:٠٢ الحِسِّيُّ: يعني تُدرِك التغيُّرَ بالحواسِّ — ترى بعينك، أو تَشُمُّ، أو تتذوَّق. فالحواسُّ المعتبرةُ هنا: الشمُّ والذوقُ والبصرُ، مالناش علاقةٌ لا بالسمع ولا باللمس، الثلاثةُ دي التي تَعنينا هنا.
٤٨:١٨ والتقديريُّ: قال «كأنِ اختلط بالماء ما يُوافقه من صفاته» — شيءٌ اختلط بالماء يُوافقه في كلِّ شيءٍ: طعمٍ ولونٍ وريحٍ، فنُقدِّر.
٥٠:٠٢ كيف نعلم؟ إذا قدَّرنا هذا التقديرَ ووجدنا أنَّ التقديرَ يؤدِّي — الكميَّةُ التي دخلت تُغيِّر طعمَه أو لونَه أو رائحتَه — علمنا أنه سَلَبَ الطَّهوريَّةَ، وإلا لم تُسلَبْ طَهوريَّتُه.
كيف تُقدِّر؟ المقاييسُ الثلاثة
٤٨:٢٨ كما قلنا: اللونُ: لونُ العنب، والطعمُ: طعمُ الرمَّان، والريحُ: ريحُ اللَّاذَن.
٤٨:٤٢ ما هو اللَّاذَن؟ اللَّاذَنُ هو اللُّبان الذَّكَر. عارفين اللبان الذكر؟ السَّمارة، تاع زمان ده.
٦٠:١٨ [على سؤالٍ] هما ثلاثةٌ — الرمَّان وعصيرُ العنب واللاذَن — الفقهاءُ يجعلونهم كأصلٍ يمشون عليه: أنَّ طعمَ الرمَّان ظاهرٌ، ولونَ العنب مُميَّزٌ لأن له لونًا خِلقيًّا ظاهرًا، ورائحةَ اللَّاذَن لأنه مالوش غيرُ الرائحة أصلًا.
الأمثلةُ التي يُقدَّر فيها
٤٩:٢٠ لو دخل الذي لا يُوافق الصفاتِ — [فهذا حِسِّيٌّ]. وقالوا مثاله بالذي يُوافق صفاتِ الماء: كماءِ الوَرد [المنقطعِ الرائحة] — ماءُ ورد لا طعمَ له ولا لونَ ولا رائحةَ.
٥٠:١٢ وقال: «ماءُ الورد المنقطعُ الرائحةِ، والماءُ المستعمَل».
٥٠:٣٧ مثالٌ للماء المستعمَل: أنا توضَّأتُ، وبعدما توضَّأتُ أخذتُ الماءَ المستعمَلَ في وضوئي وحطَّيته في كوبٍ؛ وجاء واحدٌ شاف الماءَ مع الزجاجة، قال لك: أنت سايبٌ لك كتيرًا! وراح نزَّل كوبيَّةَ الماء المستعمَل في الماء ده، فخالط الماءُ الطَّهورُ الماءَ المستعمَلَ.
٥١:٠٤ هنا التقديرُ يَظهَر لكم أكثر: الماءُ المستعمَلُ هو نفسُ الماء، مش فارقٌ عنه حاجةً، لكنه مستعمَلٌ، خالط ماءً قليلًا مطلقًا — هل يَسلُبه الطَّهوريَّةَ أم لا؟ هتحتاج تقديرًا هنا.
٥١:١٦ هتاخد الأشياء الثلاثة وتفترضهم: إما لونَ العنب، أو طعمَ الرمَّان، أو رائحةَ اللاذَن، وتفترض مكانَهم — مكانَ الكميَّة دي — عصيرَ رمَّانٍ، عصيرَ عنبٍ، أو اللاذَن، وتشوف هيُغيِّر أو لا يُغيِّر. لو غيَّر، أعرف أنَّ الماءَ ده سُلِبت طَهوريَّتُه، أصبح ماءً طاهرًا غيرَ مُطهِّرٍ.
٥١:٥٦ «فإن لم يمنع إطلاقَ اسم الماء عليه، بأن كان تغيُّرُه بالطاهر يسيرًا، أو بما يُوافق الماءَ في صفاته وقُدِّر مخالِفًا ولم يُغيِّره، فلا يُسلَب طُهوريَّتُه» — إذن لو قدَّرنا التغيُّرَ ولم يُسلَب الطَّهوريَّةَ، ظلَّ طَهورًا، مع أنه دخل فيه مستعمَلٌ، دخل فيه ماءُ وردٍ قليلٌ، لكنه لم يَسلُب الطَّهوريَّةَ، فهو مُطهِّرٌ لغيره.
شروطُ التغيُّر المؤثِّر الأربعة
- فإن كان نَجِسًا فهو بابُ الماءِ النَّجِس لا الطاهر
- بخلافِ المُجاوِر، فلا يَسلُب الطَّهوريَّةَ
- بأن يَظهَر اللونُ أو الطعمُ أو الريحُ
- فما لا يَستغني عنه كالطين والطُّحلُب لا يَضُرُّ
٣ — المُخالِطُ والمُجاوِر
٥٢:٢١ «واحترز بقوله خالَطَه عن الطاهر المُجاوِر له» — إذن قلنا هنا: المُخالِطُ غيرُ المُجاوِر؛ لأنَّ المجاورَ قال: «فإنه باقٍ على طُهوريَّته ولو كان التغيُّرُ كثيرًا».
٥٢:٣٩ إذن الطاهرُ المُجاوِر لو غيَّر الماءَ ولو حتى التغيُّرُ كثيرٌ، لا يَسلُبه الطَّهوريَّةَ.
٥٢:٤٩ قلنا: وَرَقُ شجرٍ مثلًا، عودٌ أو شيءٌ مجاورٌ، دُهنٌ. واحدٌ عنده محلُّ عطورٍ وعنده الروائحُ وعنده الماءُ خاصٌّ به، فالماءُ — كلُّ ما في المحلِّ الرائحةُ شغَّالةٌ عليه — بس بالمجاورة. فنقول: لم تُسلَب الطَّهوريَّةُ؛ لأنَّ هذا كلَّه مجاورٌ ليس مخالِطًا.
شرطُ المجاور: ألَّا يتحلَّل
٥٣:١٢ لكن فيه شرطٌ اشترطوه في المجاور: ألَّا يَتحلَّل منه شيءٌ. يعني ممكن تروح تجيب العودَ أو الدُّهنَ أو الطِّيبَ أو شيئًا ويكون مجاورًا، ومع مرور الزمن يتفتَّت؛ فلو تفتَّت وتحلَّل في الماء أصبح مخالِطًا.
٥٣:٣٩ طبعًا وَرَقُ الشجر لا يتحلَّل غالبًا، لكن فيه ممكن بعضُ الأشياء تكون مجاورةً ومع الوقت تتحلَّل فتدخل في الماء — هذا سيأخذ حُكمَ المُخالِط.
| المُخالِط | المُجاوِر | |
|---|---|---|
| المعنى | يَذوب ويَختلِط بالماء | يُلاصِقه ولا يَذوب فيه |
| الحكم إذا غيَّر | يَسلُب الطَّهوريَّةَ إذا منع إطلاقَ اسم الماء | باقٍ على طُهوريَّته ولو كان التغيُّرُ كثيرًا |
| المثال | العسل، الزعفران، الدقيق، الجِير، القَطِران | وَرَقُ الشجر، العُود، الدُّهن، روائحُ محلِّ العطور |
| الشرط | — | ألَّا يتحلَّل منه شيءٌ، فإن تحلَّل أخذ حكمَ المُخالِط |
٤ — ما لا يَستغني الماءُ عنه، والتغيُّرُ بطول المُكث
٥٤:٠٠ «وكذا المتغيِّرُ بمُخالِطٍ لا يَستغني الماءُ عنه، كطينٍ وطُحْلُبٍ وما في مَقَرِّه ومَمَرِّه» — هذه كلُّها تغيُّراتٌ لا يُستغنَى عنها.
٥٤:١٣ يعني الطينُ الموجود في الماء هو مُغيِّرٌ؛ زيَّ بعضٍ يقول لك: الماءُ الذي نزل من الحنفيَّات لونُه مُعكَّرٌ — هذا مما لا يستغني عنه الماءُ. البحيرةُ، البئرُ، الطينُ بتحلو، الموجودُ في المَقَرِّ (الذي يكون في مَقَرِّ النهر ومَقَرِّ البحيرة) أو في المَمَرِّ — يعني موضعِ المرور — أو في المَقَرِّ الذي هو موجودٌ في باطنه. كلُّ هذا لا يمكن أن يَستغنيَ عنه الماءُ.
٥٤:٤٩ وقالوا: المتغيِّرُ بطول المُكث — الذي ممكن مع طول المُكث الماءُ تجد له رائحةً؛ خزَّاناتٌ حتى، بحيراتٌ أو آبارٌ تجد رائحةً. بتغيُّر المُكث فهذا لا يَسلُبه أيضًا الطَّهوريَّةَ.
٥٥:٠١ لأنَّ هذا كلَّه يَشُقُّ الاحترازُ منه، ما يمكن الاحترازُ منه.
٦٨:٤١ [على سؤالٍ: ماءٌ خُزِّن في البيت فتغيَّرت رائحتُه] عاديٌّ، هو ده الذي احنا بنقول بطول المُكث. ما دام ما وقعش فيه شيءٌ — مَقفولٌ وحطَّه في جَركة أو شيءٍ، أو حطَّه فيها بما تُغطِّي وأنت عارفٌ أنه مفيش حاجةٌ وقعت فيه — فده متفاعلٌ ممكن مع البلاستيك مع الطول، فعمل الرائحةَ. ده تغيُّرٌ بما يُستغنَى عنه [أي مما لا يمكن الاحترازُ منه، فلا يَسلُب الطَّهوريَّةَ].
- ولو كان كثيرًا
- بشرط ألَّا يتحلَّل
- الطِّين والطُّحلُب
- ما في مَقَرِّه ومَمَرِّه
- كالخزَّانات والآبار والبحيرات
- لأنه يَشُقُّ الاحترازُ منه
- إذا لم يمنع إطلاقَ اسم الماء عليه
٥ — ضابطُ «التغيُّرِ الكثير»
٧٤:١٣ [على سؤالٍ: ما المعيار في أنَّ التغيُّرَ كثيرٌ؟] أن يَظهَر: اللونُ ظهر، أو الطعمُ ظهر، أو الرائحةُ ظهرت. بس.
٧٤:٣١ يعني تغيُّرُ اللون: لونُ الماء أبيضُ، ولونُ العنب أحمرُ، صح؟ لو تحوَّل لأحمرَ بقى خلاص؛ لكن لو كَدِرَ ممكن تقول: إيش ده؟ مُكدَّرٌ بس، ما تحوَّلش للون العنب.
٧٤:٤١ والطعمُ: لو استطعمتَ طعمَ رمَّانٍ يبقى تحوَّل؛ لكن لو تغيَّر وأنت مش قادرٌ تجيبه رمَّانًا، مش هتقول تغيَّر، لسه مِيَّةً. والرائحةُ هكذا. يبقى ده ضابطٌ.
٦٩:١٩ [س: لو وقع ملحٌ وتغيَّر الطعمُ قليلًا؟] ما دام تغيَّر الطعمُ فيبقى خلاص؛ يعني استطعمتَه بالطعم.
٦٣:٢٠ [س: ماءٌ خالَطَه صابونٌ سائلٌ دون القلتين، له ريحٌ وعمل رَغوةً] طبعًا — خلاص، أنت جبتَ الأوصافَ، الريحةُ تغيَّرت وفي رَغوةٍ؛ أصبح ماءً متغيِّرًا بمُخالِط.
٦٣:٥٥ [س: وإن كانت كميَّةً بسيطةً جدًّا بلا رَغوةٍ؟] هتُطبِّق الشروطَ: مُخالِطٌ طاهرٌ — ماشي، مُخالِطٌ لأنَّ ده صابونٌ نزل؛ تغيَّر كثيرًا — لو ظهر التغيُّرُ، رائحةٌ أو لونٌ أو طعمٌ بقى صابونًا؛ يبقى خلاص. وآخرُ شيءٍ: يُستغنَى عنه [أي ليس مما لا يُستغنَى عنه]. فالشروطُ مهمَّةٌ.
٦٤:٣٠ [س: الكلور في ماء الشُّرب؟] الكلورُ ما غيَّرش فيه؛ ده بإضافة تطهيرٍ وتعقيمٍ، يعني ما غيَّرش من الماء شيئًا، الماءُ زيَّ ما هو، بيظلُّ بنفس وصفه. لا بدَّ يُغيِّره [حتى يُسلَب الطَّهوريَّةَ].
٦ — إذا شَكَكْنا: هل تغيَّر بمُخالِطٍ أم بمُجاوِر؟
٥٥:٠٨ لو عندك ماءٌ ووقع في الماء شيءٌ مجاورٌ وشيءٌ مُخالِطٌ، وتغيَّر الماءُ، وإحنا شَكَكْنا: هل تغيَّر بسبب المُخالِط أم بسبب المُجاوِر؟ وما استطعنا أن نُقدِّر ولا أن نَستيقِن — ما حكمُ الماء هنا؟
٥٥:٤٩ نقول: الماءُ على أصله طَهورٌ؛ لا نَسلُب الطَّهوريَّةَ بالشكِّ. عندنا قاعدةٌ مهمَّةٌ سنأخذها إن شاء الله: «اليقينُ لا يزول بالشكِّ»؛ واليقينُ أنَّ الماءَ طَهورٌ، وشَكَكْنا في التغيُّر: تغيَّر بسبب مخالطةٍ أم بسبب مجاورةٍ؟ لو كان مخالطةً كان سيتغيَّر الحكمُ، ولو كان مجاورًا لا يتغيَّر الحكمُ — شَكَكْنا، فعلى الأصل: بقاءُ الأصل وطَهوريَّةُ الماء. إذن نحكم بطَهوريَّة الماء.
٥٧:١١ [وفي التقدير أيضًا] هتُقِضُّ [تَبْنِي] على المستيقَن، على الأقلِّ المستيقَن: أكيدٌ أنت شاكٌّ، مثلًا هو كده ولا كده — خُذ الذي كده، اليقينَ، اشتغل على اليقين.
✍️ أسئلة على هذا المبحث
١. ما أوصافُ الماء التي يؤثِّر فيها التغيُّر؟
٢. ما التغيُّرُ الحِسِّيُّ وما التقديريُّ؟ ومثِّل.
٣. كيف تُقدِّر التغيُّرَ التقديريَّ؟
٤. ما الفرق بين المُخالِط والمُجاوِر؟ وما شرطُ المجاور؟
٥. اذكر تغيُّراتٍ لا تَسلُب الطَّهوريَّةَ ولو كثرت. ولماذا؟
٦. شَكَكْنا: هل تغيَّر الماءُ بمخالِطٍ أم بمجاوِرٍ؟
٧. ما ضابطُ «التغيُّر الكثير»؟
١٦القِسمُ الرابع: الماءُ النَّجِس
١ — «نَجِسٌ» أي «مُتَنَجِّسٌ» — ولِمَ شبَّهه بالنَّجِس؟
٧٥:٠٤ قالوا: القِسمُ الرابع «ماءٌ نَجِسٌ» قال: «أي مُتنجِّسٌ». لما قال «ماءٌ نَجِسٌ» ثم شرحه بـ«أي متنجِّسٌ»: الماءُ نفسُه ليس نَجِسَ العين، إنما هو تنجَّس بشيءٍ. فما تركِّش أنَّ في حاجةٍ اسمُها ماءٌ نَجِسُ العين؛ لا، هو تنجَّس بعد ذلك.
٧٥:٤٥ وكأنه شبَّه المُتنجِّسَ بالنَّجِس؛ لماذا يُشبِّهه؟ لاجتماعهما في حُرمة الاستعمال. لأنه سيتكلَّم على الماء النَّجِس — الاثنان يَحرُم استعمالُهما، سواءٌ في الطُّهر أو في الشُّرب للآدميِّ كما سيأتي.
٧٦:٠٢ مع أنَّ في شيءٍ نَجِسٍ عَينًا كالكلب عندنا، أو الخنزير، والخمر عند الجمهور نَجِسٌ عَينًا؛ وفي شيءٍ مُتنجِّسٍ، الذي هو الماءُ يُصيبه نجاسةٌ فيتنجَّس. فقال: «الماءُ النَّجِسُ أي المُتنجِّسُ» — شبَّه المُتنجِّسَ بالنَّجِس لاجتماعهما في حُرمة الاستعمال.
٧٦:٤٥ قال: «وهو قسمان». والأَولى على بعض الشُّرَّاح: أن يقول «نوعان»؛ لأنَّ تحت القسم أنواعًا.
٢ — النوع الأول: الماءُ القليل — دون القُلَّتين
٧٧:٠٢ قال: «أحدُهما قليلٌ» وهو دون القُلَّتين، «وهو الذي حلَّت فيه نجاسةٌ، تغيَّر أم لا»، «وهو» يعني والحالُ أنه ماءٌ دون القُلَّتين.
تحقيقٌ: «حلَّت» أم «بمُلاقاة»؟
٧٧:٥٣ هو قال عندكم «حلَّت» — يعني إيه حلَّت؟ لو أنت عندك الآن إناءٌ فيه ماءٌ، وهنا فيه نجاسةٌ، وهذا الإناءُ — هنا النجاسةُ حلَّت في الإناء، داخلَ الإناء. ده معنى «حلَّت».
٧٨:١٥ طيب، لو النجاسةُ هنا على مَجرَى ماءٍ — وهذا ماءٌ يَجري — وهنا نجاسةٌ موجودةٌ على الضَّفَّة، حاجاتٌ، فَضَلاتُ حيواناتٍ أو شيءٌ — هنا مُجاورةٌ.
٧٨:٣٦ لو هي مجاورةٌ ولها رائحةٌ والماءُ تأثَّر بالرائحة — هذه مجاورةٌ فقط، الماءُ طَهورٌ.
٧٨:٥٠ طب لو هذه النجاسةُ كانت هنا لاقَت الماءَ وتغيَّر بالرائحة — لما لاقت الماءَ أصبح نَجِسًا.
٧٨:٥٧ هو قال «حلَّت» ما يقصدش حلَّت أنها تكون داخلَ الماء، لكنه يريد أن يُعبِّر بـ«حلَّت» عن أنها تلامست مع الماء. لذلك بعضُ الشُّرَّاح أو الأصحاب يقولون: الأفضلُ أن تقول «بمُلاقاةِ النجاسةِ»؛ حتى لا يَظُنَّ أحدٌ أنَّ النجاسةَ فقط إذا حلَّت [داخلَ الماء] هي التي تُنجِّس الماءَ. لا، نريد أن نقول: إذا لاقت النجاسةُ الماءَ — يعني إذا كانت بجنب الماء ولم تَحُلَّ داخلَه — ستُنجِّسه؛ لأنها نجاسةٌ لاقت الماءَ.
٨٠:٠٣ فيبقى ما دام لاقى النجاسةَ [فهو نَجِسٌ]، غيرُ لو جاور النجاسةَ؛ لو جاورها ولم يُلاقِها فهذا [طَهورٌ]. لكن لو لاقى — أيًّا كان، لاقى بجانبها أو حلَّ دخل فيها — كلُّ هذا يُقدَّر نَجِسًا.
٣ — حديثُ القُلَّتين: المنطوق والمفهوم
٨٠:٢٤ هذا النوعُ الأول: قليلٌ دون قُلَّتين، يَنجُس بمُلاقاة النجاسة؛ أيُّ نجاسةٍ لاقت ماءً دون قُلَّتين نجَّسته، تغيَّر أو لم يتغيَّر.
٨٠:٣٦ الدليلُ عندنا حديثٌ في سنن أبي داود، قال ﷺ: «إذا بلغ الماءُ قُلَّتين لم يَحمِلِ الخَبَثَ» — هذا منطوقٌ. ومفهومُه: إذا كان الماءُ دون قُلَّتين حَمَلَ الخَبَثَ إذا وقعت فيه نجاسةٌ. هذا الدليلُ عندنا.
٨١:٠٢ مع أنَّ هذا المنطوق — «إذا بلغ الماءُ قُلَّتين لم يَحمِلِ الخَبَثَ» — كأنَّ في منطوقه أنه إذا وقعت النجاسةُ في الماء القُلَّتين فأكثرَ لا يَنجُس، صح؟ على العموم يقول ذلك: يعني الماءُ لا يَنجُس وإن وقعت فيه نجاسةٌ.
٨١:٢٠ لكن هذا العمومُ مُخصَّصٌ بالإجماع: على أنَّ النجاسة إذا وقعت في ماءٍ قُلَّتين وأكثرَ فتغيَّر لونُه أو طعمُه أو رائحتُه تنجَّس. فيبقى العمومُ «إذا بلغ الماءُ قُلَّتين» مخصوصٌ بالإجماع.
٨١:٥١ لكن إذا وقعت في ماءٍ دون القُلَّتين — بدون تغيُّرٍ — نَجِسٌ، للحديث بمنطوقه ومفهومه.
٤ — النوع الثاني: الكثير — قُلَّتان فأكثر
٨٢:١٤ النوعُ الثاني: قُلَّتان فأكثرُ — فيبقى لو كان كبيرًا قُلَّتين، كثيرًا — قالوا: لا يَنجُس إلا بالتغيُّر.
٨٢:٣٤ [وضبطُ الأول] يَنجُس بمُلاقاة النجاسة غيرِ المعفوِّ عنها.
٨٣:٢٣ سيأتي أنَّ فيه نجاسةً معفوًّا عنها وأنواعَها سنتكلَّم عنها؛ إذا وقعت النجاسةُ المعفوُّ عنها حتى في ماءٍ دون قُلَّتين لا تُنجِّسه. فهنا تقييدٌ: «يَنجُس بمُلاقاة النجاسة غيرِ المعفوِّ عنها».
٨٣:٣٩ ده الذي دون القُلَّتين؛ لأنه لو وقعت ذبابةٌ في الإناء — وسيأتي أنَّ من النجاسات المعفوِّ عنها الذبابةَ — فلو وقعت في الإناء القليل لا تُنجِّسه.
١٠٣:٤٦ وأشار إلى القسم الثاني من القسم الرابع: «أو كان كثيرًا قُلَّتين فأكثرَ فتغيَّر» — يعني وقعت النجاسةُ في قُلَّتين فأكثرَ فتغيَّر لونٌ أو طعمٌ أو رائحةٌ. وهنا لا فرق أن يكون التغيُّرُ حِسِّيًّا أو تقديريًّا، ما دام تغيَّر تنجَّس، على الكلام الذي قلناه في التقدير.
١٠٤:٠٦ مثالُ التقديريِّ: بولٌ منقطعُ الرائحة — واللونُ والطعمُ — وقع [في الماء]: هتُقدِّره هنا أيضًا بنفس الطريقة التي كنَّا فيها، فاكرين الماءَ المستعمَلَ لما دخل على الماء. فهتُقدِّر: لو شيءٌ غيرُه هل يُغيِّر في هذا الماء لونًا وطعمًا ورائحةً؟ لو غيَّر يبقى تنجَّس الماءُ خلاص.
١٠٤:٥٢ قال: «فتغيَّر يسيرًا أو كثيرًا» — أيُّ تغيُّرٍ هنا بسبب النجاسة في القُلَّتين على طول نَجِسٌ، يسيرًا أو كثيرًا.
✍️ أسئلة على هذا المبحث
١. لماذا قال الشارح «نَجِسٌ أي مُتنجِّسٌ»؟ ولماذا شبَّه أحدَهما بالآخر؟
٢. لماذا قال الشُّرَّاح: «بمُلاقاة» أدقُّ من «حلَّت»؟
٣. ما حديثُ القُلَّتين؟ وما منطوقُه ومفهومُه؟
٤. منطوقُ الحديث عامٌّ — بمَ خُصِّص؟
٥. لخِّص حكمَ الماء النَّجِس في سطرين.
١٧النَّجاساتُ المعفوُّ عنها
٨٤:١٥ هنا بيَّنَّا القسمين. ما هي النجاساتُ المعفوُّ عنها؟ دي دقيقةٌ جدًّا، لو تَلُفُّوا عليها في شروحاتٍ كثيرةٍ — ها أجمع لكم هنا: ما هي النجاساتُ المعفوُّ عنها إذا وقعت في الماء القليل لا تُنجِّسه؟ إلا لو وقعت كثيرًا وتغيَّر بسببها، فهي خلاص هتُنجِّس.
الأولى — مَيتةُ ما لا نفسَ له سائلةٌ
٨٤:٤١ أولُ شيءٍ: مَيتةُ ما لا نفسَ له سائلةٌ. «ليس لها نفسٌ» يعني دمٌ سائلٌ.
٨٤:٥٧ الميتةُ أنواعٌ: في بعض الميتات — كالحيوانات الكبيرة، البهائم وغيرها — لها نفسٌ، تُذبَح لها نفسٌ، الدمُ سائلٌ. وهناك بعضُ الحشرات أو الأشياء ليست لها دمٌ سائلٌ، أو قد يكون الدمُ قليلًا جدًّا.
الأصلُ في المسألة: حديثُ الذُّباب
٨٥:٢١ منها الذُّبابُ، والذُّبابُ هو الأصلُ في هذه المسألة. لحديثه ﷺ: «إذا وقع الذُّبابُ في إناءِ أحدِكم فليَغمِسْه، ثم ليَرفَعْه؛ إن شاء أكله وإن شاء تركه».
٨٥:٣٨ ولمَّا غُمِس الذُّبابةُ ماتت — لا، أكيدٌ — فأصبحت مَيتةً، والأصلُ في الميتة عندنا النجاسةُ؛ الميتةُ كلُّها نَجِسةٌ. حتى هم بيقولوا هنا إنَّ هذه نَجِسةٌ، لكن جاء الشرعُ عفا عنها لمشقَّة الاحتراز.
٨٥:٥٩ فلمَّا قال ﷺ يَغمِسها في الإناء ثم يَرفَعها — يبقى ماتت، يبقى نَجِسةً — ثم قال: «إن شاء أكل وإن شاء ترك»، وبعدها قال: «فإنَّ في أحد جناحيها داءً ودواءً» — وهذه مسألةٌ أخرى؛ لكننا نتكلَّم في الطهارة. لمَّا نجَّست في الإناء والنبيُّ ﷺ أباح أن تأخذ من الإناء تَستخدِمه تَشربه تأكله — إذن لم تُنجِّس. قالوا: إذن هذه النجاسةُ المعفوُّ عنها.
القياسُ على الذُّباب
٨٦:٢٣ طب إيش للذُّباب؟ قعدوا ينظرون العلماءُ: هل هي خاصَّةٌ بالذُّباب فلا نَقيس عليها والدليلُ خاصٌّ بالذُّباب فقط؟ قالوا: لا، ليست خاصةً بالذُّباب.
٨٦:٣٧ طبعًا خاصٌّ بالذُّباب في الداء والدواء — أنك تَغمِس وتأكل أو تَشرب — لأنَّ الداءَ والدواءَ خاصَّةٌ بالذُّباب نَعَم، لأنَّ النبيَّ ﷺ قال ذلك عنها: جَناحٌ فيه داءٌ ومعه الدواءُ. لكن ليست خاصةً في النجاسة المعفوِّ عنها.
٨٦:٤٥ فقالوا: نَقِيس. وجدنا أنَّ الذُّبابَ ليس له دمٌ سائلٌ، فكلُّ ما كان ليس له دمٌ سائلٌ يأخذ حكمَ الذُّباب، فيكون هذا من المعفوِّ عنه على سبيل القياس: الأصلُ الذُّبابُ، والفرعُ عندك النحلُ والنملُ والوَزَغ، والعِلَّةُ الجامعةُ أنه ليس لها دمٌ سائلٌ.
العبرةُ بالجنس لا بالنوع
٨٧:٢٥ في مسألةٍ مهمةٍ: لما نقول «ليس له نفسٌ سائلةٌ» بناخد على الجنس. يعني ممكن لما أقول لك: تجيب لي جنسَ الوَزَغ ده مثلًا، فيه أنواعٌ؛ فيه منه ليس له دمٌ سائلٌ، ومنه إن كنتَ لا تجد له بعضَ دمٍ. طب أنا هتعامل مع إيه؟ مع الأنواع؟ لا. قالوا: نحن نتعامل مع الجنس.
٨٧:٤٥ الأصلُ أنَّ الجنسَ — النملَ والنحلَ والوَزَغَ والذُّبابَ — ليس له [دمٌ سائلٌ]. لو وجدتَ بعضَ الأنواع في الجنس فيها دمٌ سائلٌ، هتاخد حكمَ الجنس، مش هتُخرِجها؛ حتى لو وقعت لا تُنجِّس.
٨٧:٥٥ والعكسُ كذلك: الفأرُ له دمٌ سائلٌ ولا لا؟ له دمٌ سائلٌ، إذن ليس [معفوًّا]. لكن لو أنت دخلتَ بعضَ الأماكن أحيانًا ممكن تلاقي فأرًا صغيرًا جدًّا جدًّا — كده قدَّ إيه — في مكانٍ في ماءٍ أو شيءٍ، وقع وغرق ومات، ولو جبتَه ما فيش فيه دمٌ سائلٌ. نقول: لا، احنا بنرجع للجنس؛ جنسُ الفئران له دمٌ سائلٌ، ما يهمِّش هنا هو صغيرٌ أم غيرُ صغيرٍ. فنقول: إذا وقع الفأرُ ولو صغيرًا نجَّس المكانَ ومات فيه.
٨٨:٣٦ عشان ما يجيش حدٌّ يقول لك: أنا لقيتُ أنَّ في بعض أنواع كذا فيها دمٌ — ويقعد يفتح باقي على جوجل ويجيبه ويرجع لنا يتكلَّمنا! احنا بنتكلَّم على الجنس.
٨٨:٤٥ والناموسُ ليس له دمٌ سائلٌ، والبراغيثُ مالهاش دمٌ سائلٌ.
شرطان: ألَّا تُطرَح وألَّا تُغيِّر
٨٩:٣٤ النوع الثاني [القيد]: «إلا أن تُطرَح فيه أو تُغيِّره».
٩٠:٠٦ في فرقٌ: واحدٌ بيلعب مع واحدٍ، راح مَسَكَ الذُّبابةَ كده وجابها عند الكوباية، راح رماها له؛ الثاني قال له: عمَّا الرسولُ قاله... — لا! قال: «إذا وقعتْ الذُّبابةُ» — مش أنت [تطرحها]. فلذلك فرَّق الفقهاءُ وما تركوها كذا: قال لك «إلا إذا طُرِحت فيه».
٩٠:٢٥ يعني أنت عايز تبوِّظ لواحدٍ حاجةً، تخُذ الذبابةَ وشويةَ ناموسٍ وشويةَ نملٍ وبتاعتهم، وتحطَّهم له كده وخلاص! — يبقى في فرقٌ بين أن هي تقع؛ لأنه قال: هي مشقَّةُ احترازٍ وأنت مش هتقدر تَحرُس على الطبق، ممكن الذبابةُ تيجي في لحظةٍ تقع، فخلاص جاء الشرعُ بالتيسير. أما أنت بتتلاعب وبتضحك فهنا يَفسُد عليك الأمرُ.
٩٠:٥٣ «أو تُغيِّره» — دي مهمَّةٌ يعني. هَبْ أنَّ أنت حطَّيتَ الإناءَ ولقيتَ لك ألفَ ذبابةٍ نحوَ نازلين في الإناء بيَغطِسوا فيه كلُّهم، بصَّيتَ في الإناء لقيتَ الإناءَ مُسوَدًّا! أو نحلٌ كلُّه — راح نَعدِّي خُذ لك الخَليَّةَ كلَّها بتاعتك ماتت فيها. مش هنقول: لأنَّ نحلةً ماتت نزل في الماء مات، فلقيته عليه.
٩١:٢٢ هنا لو غيَّر الماءَ أصبحت نجاسةً — معفوًّا عنها في الأصل — لكن تجمَّعت فغيَّرت؛ فالنجاسةُ إذا غيَّرت وقعت أصبحت نَجِسًا.
الثانية — ما لا يُدرِكه الطَّرْفُ المعتدل من غير مُغلَّظ
٩١:٣٤ يبقى انتهينا من الأول. [الثاني:] ما لا يُدرِكه الطَّرْفُ المعتدلُ من غير مُغلَّظٍ ولم تُغيِّره.
٩١:٥٥ يعني ممكن الذبابةَ — تنظر تلاقيها وقفت على عَذِرةٍ، ومن الله شيءٌ، فَضَلاتٌ، حيوانٌ في الشارع، ثم طارت وأنت مش شفتها بعينك كده، ورُحت وقفت على طبق ماءٍ؛ هي رِجلُها التي وقفت على المكان ده وهي رُحت مُنتقِلةً، رُحت وقفت على الماء.
٩٢:٣٤ الطَّرْفُ المعتدلُ: الذي هو صاحبُ البصر العادي؛ لو نظر ممكن يرى النجاسةَ.
٩٢:٤١ طيب، عندك واحدٌ بصرُه حادٌّ، يقول لك: لا، أنا شفتُ في رِجلَي الذبابة كذا! — نعم ممكن، في ناسٍ عندها بصرٌ حادٌّ. طيب العبرةُ بإيش؟ الطَّرْفُ المعتدلُ، الذي لا يُدرِكه الطرفُ المعتدلُ ده المعفوُّ عنه. لكن لو واحدٌ نظرُه ثاقبٌ — بارك الله في نظره — فرآه وجاء قال لك: لا! لا يُعتدُّ به.
٩٣:١٥ فالمسألةُ في النجاسة المعفوِّ عنها: كيف أعرف أنا أنها معفوٌّ عنها؟ فقالوا هنا: ما لا يُدرِكه الطَّرْفُ المعتدلُ؛ الناسُ المعتدلةُ لو نظرت لا تراها، لا ترى مثلًا في رِجل الذبابة شيئًا. العبرةُ ليست بنافذ البصر.
قيدُ «من غير مُغلَّظ»
٩٣:٣٣ «من غير مُغلَّظٍ» — دي بقى: المُغلَّظُ عندنا الكلبُ والخنزيرُ تحديدًا؛ فإذا وقعت [نجاسةٌ] من كلبٍ أو خنزيرٍ، شيءٌ مُغلَّظٌ، فهذه ليست فيها [قاعدةُ] الطَّرْف، ليست معفوًّا عنها؛ لأنَّ النجاسةَ مُغلَّظةٌ عندنا في الكلب والخنزير، لا بدَّ تُنجِّس.
٩٣:٥٩ النجاسةُ الصغيرةُ من المُغلَّظ — يعني أيُّ شيءٍ يسيرٍ من الكلب والخنزير — دي نجاسةٌ مُغلَّظةٌ حتى لو [قلَّت]، ليست معفوًّا عنها.
ولو شَكَّ: هل أدركه الطَّرْفُ؟
١٠١:١٧ طب لو شَكَّ: هل أدركها الطَّرْفُ أم لم يُدرِكها؟ عُفِيَ عنه، على الأصل.
١٠١:٢٩ [تصويرُ المسألة] إذا وقف ذُبابٌ على نَجِسٍ رَطْبٍ — يعني وقف على شيءٍ رطبٍ — ثم وقع في ماءٍ قليلٍ، فهل يُنجِّس هذا الماءَ؟ مع أنه عَلِقَ في رِجله لُبابةُ نجاسةٍ، لكن لم يُدرِكها الطَّرْفُ؛ فلم نقل... يعني ما شفناهاش، احنا شُفناه نعم وقف ثم وقف على الإناء، لكن لم نرَ أنَّ في رِجله شيئًا. فهنا نقول: إنَّ الماءَ هذا طَهورٌ أيضًا. والصورةُ الثانية: لو رآه نافذُ البصر وقال لك: أنا بصري… أنا بجيب من على الجبل قنَّاصٌ! — فنقول له: هذا لا يُعتدُّ به؛ إنما المعتبَرُ الطَّرْفُ المعتدلُ.
الثالثة — اليسيرُ من دُخان النجاسة المتصاعدِ بواسطة النار
٩٤:٢٠ ثم قال: اليسيرُ من دُخان النجاسة المتصاعدِ بواسطة النار.
٩٤:٣٠ يعني لو جبتَ كومةً مجمَّعًا فيها المُخلَّفاتُ — بهائمَ أو شيءٍ — ووَلَّعتَ فيها، فخرجت نارٌ، وخرج من النار دُخانٌ؛ والدخانُ ده عَدَّى شويَّةً كده، فيه عندك مكانٌ تُولِع فيه وجاء جزءٌ يسيرٌ من الدخان جاء ناحيتك بالهوا أو شيءٌ جابه — هذا نَعفو عنه.
٩٥:٠١ بعضُ الأماكن في الأرياف يُجمِّعون الحاجاتِ دي ويَحرِقونها، أحيانًا يأتي بعضُ الدخان، الريحُ اليسيرُ، فيأتيك — طبعًا الدخانُ ده طالعٌ من نجاسةٍ وبالتالي هو نَجِسٌ، لكن هذه نَعفو عنها.
٩٥:١٦ هو قال «من النار»؛ ليه؟ لأنك ممكن لو أنت كَمَمتَها — يعني وضعتَها في مكانٍ وقفلتَ عليها فبخَّرت، طلعت أبخرةٌ لها أو شيءٌ — هذه ليست نجاسةً؛ لا بدَّ أن تكون من النار، وضعتَ نارًا وطلعت من النار. لكنَّ هذه الأبخرةَ معفوٌّ عنها أصلًا، هذه الروائحُ التي ستطلع من الأبخرة.
٩٥:٤٠ لذلك قيَّد أنَّ اليسيرَ من دخان النجاسة المتصاعد بواسطة النار هذا هو الذي يُعدُّ نجاسةً معفوًّا عنها — اليسيرَ. لكن لو كمياتٌ كبيرةٌ وجاءت عليك ووقعت في شيءٍ نجَّسته: ماءٍ نجَّسته، طعامٍ نجَّسته، شيءٍ — ستُنجِّسه. ولا بدَّ يكون من النار.
٩٨:٠٥ [توضيحٌ على سؤالٍ] ليست النارُ هي التي نجَّسته؛ لا، أنت جبتَ فَضَلاتِ البهائم مثلًا أو الحيوانات جمَّعوها وحرقوها، فلما اتحرقت بالنار طلع دُخانٌ — الدخانُ ده جايٌ من النجاسة. فليس أيُّ دخانٍ، مش خشبًا؛ لا، لا بدَّ يكون على نارٍ نجاسةٌ.
الرابعة — اليسيرُ من شَعْرِ غيرِ المأكول
٩٦:٠٢ الرابع الذي مَعفوٌّ عنه: اليسيرُ من الشَّعْر غيرِ المأكول.
٩٦:١٨ يا صاحبَ القِطَط! فأنت إيش؟ القِطَطُ مأكولةٌ؟ — غيرُ مأكولٍ. طب شَعرُ القِطَط الذي تعب الناسَ كلَّنا؛ احنا عندنا النجاسة: دي نجاسةٌ.
٩٦:٢٩ هو المنفصلُ من حيٍّ — سيأتي معنا — أنه نَجِسٌ. خلِّي بالكم، في فصلٍ يأتي معنا في هذا الباب: المنفصلُ من حيٍّ فهو نَجِسٌ؛ فالشعورُ المنفصلةُ من الحيِّ نَجِسةٌ، غيرَ الآدميِّ.
٩٦:٤٦ طب جاء استثناءُ الشرع بأنَّ الشعرَ اليسيرَ من غير المأكول [معفوٌّ عنه]. طبعًا لو ما قالوا شعرٌ يسيرٌ: إيه؟ شعرٌ اثنان ثلاثةٌ وقعت من حمارٍ مثلًا — غيرِ مأكولٍ؛ واحدٌ ركب حمارًا وقع منه شَعرٌ، طب هل نَجِسٌ؟ طبعًا مشقَّةُ الاحتراز.
٩٦:٥٤ لكنَّ القطَّةَ دي مش شعرَ اثنين؛ القطَّةُ دي بتَحُطُّ البيتَ كلَّه فيه شَعرٌ! هم يقولون: اليسيرُ من الشعر غيرِ المأكول من النجاسة المعفوِّ عنها. الحمارُ سببٌ، والقطَّةُ سببٌ أو نوعٌ وغيرُ ذلك.
٩٧:١٤ هذه كلُّها الأربعةُ. لما نقول لك «نجاسةٌ معفوٌّ عنها»: واحدةٌ من الأربعة دول. تُسمَّى نجاساتٍ معفوًّا عنها — هي نجاسةٌ لكن معفوٌّ عنها؛ إذا وقعت في ماءٍ أو في طعامٍ أو في شيءٍ لا تُنجِّسه.
- الأصل: الذُّباب، ويُقاس عليه النمل والنحل والوزغ والناموس والبراغيث
- بشرط ألَّا تُطرَح عمدًا وألَّا تُغيِّر الماءَ
- والعبرةُ بالجنس لا بالنوع
- العبرةُ ببصر الناس المعتاد لا بنافذ البصر
- من غير مُغلَّظٍ: الكلبِ والخنزير
- ولو شكَّ هل أدركه الطَّرْفُ عُفِيَ عنه
- بشرط أن يكون متصاعدًا بواسطة النار
- أما الأبخرةُ بغير نارٍ فليست نجاسةً أصلًا
- والكثيرُ منه يُنجِّس
- كشَعر الحمار والقطِّ
- لأن المنفصلَ من حيٍّ نَجِسٌ إلا الآدميَّ
- والكثيرُ لا يُعفَى عنه
زيادةٌ: صورٌ أخرى مذكورةٌ في المبسوطات
١٠٢:٤٤ وما ذكرش [الشارحُ] كلَّ ما أنا ذكرتُه، أنا زوَّدنا هنا؛ قال: «أو استثنى أيضًا صورًا مذكورةً في المبسوطات»، لذلك احنا زوَّدنا هنا اليسيرَ من دخان النجاسة واليسيرَ من الشَّعر، وتكلَّمنا يعني باستفاضةٍ أكثرَ عن الميتة.
١٠٣:٠٧ أيضًا ممكن تَعُدُّها من اليسير، تُضيف عليها كمان — ممكن خمسةً مثلًا: الزِّبْلُ الواقعُ من البهيمة أثناءَ حَلْبِ اللبن — يعني حالةَ حَلْبِها في اللبن ممكن يقع منها شيءٌ خفيفٌ جدًّا يدخل في اللبن، أو أنت بتَحلُب يقع منها شيءٌ؛ فهذا قالوا: هذا من المعفوِّ عنه أيضًا.
✍️ أسئلة على هذا المبحث
١. عدِّد النجاسات المعفوَّ عنها.
٢. ما الأصلُ في العفو عن ميتة ما لا نفسَ له سائلة؟ وما شرطاه؟
٣. ما العِلَّةُ الجامعةُ في القياس على الذُّباب؟ وماذا يدخل؟
٤. هل هذه الميتةُ طاهرةٌ عند الشافعية؟
٥. رجلٌ حادُّ البصر رأى نجاسةً لا يراها الناسُ — هل يُعتدُّ برؤيته؟
٦. ما قيدُ «من غير مُغلَّظ»؟
٧. متى يُعفى عن دخان النجاسة؟
١٨الانتفاعُ بالماء النَّجِس، ومِقدارُ القُلَّتين، وخاتمةُ الباب
١ — ما يَحرُم وما يجوز بالماء النَّجِس
٩٨:٤٦ هذا في النَّجِس: الانتفاعُ بالماء النَّجِس. سنقرؤه برضه الآن عشان ننتبه؛ النَّجِسُ جُزئيَّةٌ: عندك يَحرُم ويجوز.
٩٨:٥٨ ما دام قلتُ ماءً نَجِسًا: يَحرُم التطهُّرُ به، ويَحرُم الشُّربُ من بابٍ أَولى — الآدميُّ ما يشربش منه لأنه نَجِسٌ.
٩٩:٠٧ طب يجوز: سَقْيُ البهائم — ممكن تُعطيَه البهائمَ تشربه؛ وسَقْيُ الزرع؛ والاستصباحُ به.
٩٩:٢١ طبعًا كانوا ممكن يستخدمون الزيوتَ والأشياءَ التي يُستصبَح بها؛ فممكن يقع في الزيت المائع دابَّةٌ، فأرٌ، فيُنجِّسه. [والفأرُ] لو وقع في الجامد هتُلقِيها وما حولها، لكن لو وقع في المائع — الفأرُ هي نَجِسةٌ ماتت فنجَّست الزيتَ — فأنت أردتَ أن تَستصبِح به. زمان كانت المصابيحُ بزيوتٍ: يَحُطُّ المصباحَ، يَحُطُّ فيه الزيتَ ويجيب إضاءةً به. فأنت ممكن تنتفع بالمائع النَّجِس أيًّا كان، في أنك تَستصبِح به.
٩٩:٥٩ إذن هذا حُكمٌ في «يَحرُم ويجوز»؛ لأنه يتكلم لك عن حُكم الماء النَّجِس.
| يَحْرُم | يَجُوز |
|---|---|
| التطهُّرُ به (وضوءًا وغُسلًا وإزالةَ نجاسةٍ) شُربُ الآدميِّ منه — ومن بابٍ أَولى | سَقْيُ البهائم سَقْيُ الزرع الاستصباحُ به |
٢ — مِقدارُ القُلَّتين
١٠٥:٠٣ قال: «والقُلَّتان» — اللذان ذكرهما من عهد الذِّكر — جَرَّتان عظيمتان؛ قلنا: الجَرَّةُ العظيمةُ.
١٠٥:١٢ هنا قال: خمسُ مئةِ رِطلٍ بالبغداديِّ تقريبًا في الأصحِّ. والرِّطلُ البغداديُّ عند النوويِّ: مئةٌ وثمانيةٌ وعشرون درهمًا وأربعةُ أسباعِ درهمٍ.
التقديرُ بالمساحة
١٠٥:٣٦ [على سؤالٍ عن شكل الوعاء] هي تختلف على حسب [الشكل]. عشان نجيب لكم الخلاصةَ عند الفقهاء:
١٠٥:٤٤ لو مُدوَّرةً — كده كفم بئرٍ — بيقول: هتكون ذِراعًا عَرضًا وذراعين ونصفًا عُمقًا. والذِّراعُ حوالي من خمسةٍ وأربعين لستِّين سنتيمترًا، خمسةٍ وأربعين تقريبًا. فهو بيتكلم لو مُدوَّرةً. يعني العُمقُ ذراعين ونصفًا — ممكن تتكلم بفلِّ مترٍ وشويَّةً.
١٠٦:١٥ تختلف بقى: بعدهم يقول لك لو كانت مُسَلَّسةً [مربَّعةَ الشكل مستطيلةً] فيبقى ذراعًا ونصفًا عَرضًا، وذراعًا ونصفًا طولًا، وذراعين عُمقًا. ولو كانت مربَّعةً تختلف يعني.
[حاشية الطبعة] وفي حاشية المطبوعة: تُقدَّر القُلَّتان بحجم مُكعَّبٍ طولُ ضِلعِه ٦٠ سم، ويُعادل ذلك ٢١٦ لترًا تقريبًا.
٣ — القِسمُ الخامس الذي تركه المصنِّف: الماءُ المُطهِّرُ الحرام
١٠٦:٣٧ قال: «وترك المصنِّفُ قِسمًا خامسًا، وهو الماءُ المُطهِّرُ الحرامُ، كالوضوءِ بماءٍ مغصوبٍ أو مُسبَّلٍ للشُّرب.»
١٠٦:٤٢ أنا سؤالٌ بها خبَّأتُه لكم: هل المؤلِّفُ — المصنِّفُ — ترك القسمَ الخامسَ هذا أم لم يتركه؟ الشارحُ (فتحُ القريب) يقول على الماتن (صاحبِ الغاية): «وترك المصنِّفُ قسمًا خامسًا».
١٠٨:١٣ [الجواب] هو ترك ولم يترك.
١٠٨:٣٨ المصنِّفُ أبو شجاعٍ ذكر فقال: «ثم المياهُ على أربعةِ أقسامٍ: طاهرٌ مُطهِّرٌ غيرُ مكروهٍ…» — ذكر «غيرَ مكروهٍ»، فبالأَولى يعني الحرامُ.
١٠٩:٠٠ فأنت ستقول إنه ترك؟ لم يترك ذِكرَ الحرام — لأنه قال «أو غيرُ مكروهٍ»، فالأَولى منه الحرامُ. فترك ذِكرَه لفظًا، ولم يتركه معنًى.
١١١:٢٢ [وجهٌ آخرُ من أحد الطلبة] لما جاء في الأول قال: «كلُّ ماءٍ نزل من السماء وخرج من الأرض» — فالماءُ المغصوبُ أكيدٌ واحدٌ فيه، سواءٌ ما خرج من السماء أو نزل من الأرض؛ فهو في الواقع ذَكَرَه من حيث الطَّهوريَّةُ: هو طاهرٌ، فأنا لو توضَّأتُ به هو طاهرٌ.
١١١:٥٤ [تعليقُ الشيخ] أنت عايز تقول إنه طَهورٌ — هو طَهورٌ، نعم؛ ولما قال «طَهورٌ» قال «طاهرٌ مُطهِّرٌ»، فهو هنا يدخل في الطَّهور. بما أنه ذكر الطَّهورَ يبقى هو دخل في الطَّهور. بس مِن غير علاقةٍ بالسماء والأرض — كنتَ تقول [بابَ] لمَّا قسَّم: قال طَهورٌ طاهرٌ ومُطهِّرٌ في نفسه، وهنا الماءُ المُسبَّلُ والماءُ المحرَّمُ هو طاهرٌ ومُطهِّرٌ، ما ذهبتش عنه صفةُ الطَّهوريَّة. فهو في المعنى ذَكَره.
١١٢:٢٨ لكن كلامُه [أي اعتراضُ الشارح] صحيحٌ في الوصف: أنه لما ما وصفوش وصفًا مُنفصِلًا. فهو ترك وصفَه أن يَصِفه هو نفسَه، لكنه أدخله في الطَّهور؛ لأننا قلنا في أول محاضرةٍ إنَّ «يجوز» معناه «يصحُّ ويَحِلُّ» عشان يدخل معه. فإذن هو حقيقةً دخل في المياه، لكنه ترك الوصفَ فعلًا: ما وصفوش وصفًا، لمَّا ذكر «المكروهَ وغيرَ المكروه» كان الأَولى أن يقول «والمحرَّمُ استعمالُه» كده.
١١٠:٤٦ [مشاركةُ طالبٍ] «الجوازُ مشتركٌ بين الصحَّة والحِلِّ؛ فذكر كلَّ المياه التي يصحُّ بها الوضوءُ، والماءُ المغصوبُ أو المُسبَّلُ للشُّرب هذه لا يَحِلُّ [استعمالُها] أبدًا للوضوء؛ لأنَّ الله طيِّبٌ لا يَقبَل إلا طيِّبًا.»
٤ — خاتمةُ الباب: الأحكامُ الخمسةُ تَعتري الماءَ
١١٣:١٢ فهذا آخرُ الكلام في الباب. يعني هو الحاصلُ أنَّ الماءَ كده تَعتريه الأحكامُ الخمسةُ. إزَّاي؟ بمعنى:
١١٣:٢٦ يجب استعمالُه في الفرض. ويُندَب استعمالُه في النَّفل. ويَحرُم استعمالُ المغصوب والمُسبَّل. ويُكرَه استعمالُ المُشمَّس. ويكون خلافَ الأَولى كماء زمزم في إزالة النجاسة. ويكون مباحًا، وهو ما لم يُطلَب استعمالُه ولا تركُه.
١١٣:٤٨ يبقى أصبح آخرَ شيءٍ عندك في الماء أحكامٌ خمسةٌ — سؤالٌ هيأتي فيه ده.
١١٤:١٧ يبقى كده تحقَّقت أحكامُ المياه الخمسةُ، وانتهينا من فصل — أو باب — المياه. إن شاء الله بعد كده فصلُ الأعيان المُتنجِّسة والدِّباغ وذلك.
٥ — خريطةٌ جامعةٌ لباب المياه
✍️ أسئلة ختامية على الباب
١. ما الذي يَحرُم وما الذي يجوز بالماء النَّجِس؟
٢. كم القُلَّتان؟ وما الرِّطلُ البغداديُّ عند النووي؟
٣. ما مِقدارُ القُلَّتين بالذراع في الإناء المُدوَّر وفي المربَّع؟
٤. ما القسمُ الخامس الذي قال الشارحُ إن المصنِّف تركه؟ وهل تركه حقًّا؟
٥. اذكر الأحكامَ الخمسةَ التي تَعتري الماءَ مع مثالٍ لكلٍّ.
★بطاقاتُ الحفظ — كلُّ تقسيمٍ في صورةٍ واحدة
١ — المِياهُ السَّبعُ: ٣ من السماء و٤ من الأرض
٢ — الأقسامُ الأربعةُ: ٢ طَهور + ٢ طاهر + ١ نَجِس
٣ — شروطُ كراهة المُشمَّس السَّبعة
٤ — شروطُ الماء المُستعمَل: ٣ في الحدث و٥ في الخَبَث
٥ — النَّجاساتُ المعفوُّ عنها الأربع
بشرط: ألَّا تُطرَح وألَّا تُغيِّر
بشرط: من غير مُغلَّظٍ (الكلب والخنزير)
أما الأبخرةُ بلا نارٍ فليست نجاسةً
لأن المنفصلَ من حيٍّ نَجِسٌ إلا الآدميَّ
٦ — أحكامُ الماء الخمسة
| الحكم | الصورة |
|---|---|
| يَجِب | استعمالُه في الفَرْض |
| يُنْدَب | استعمالُه في النَّفْل |
| يَحْرُم | استعمالُ المغصوب والمُسبَّل للشُّرب |
| يُكْرَه | استعمالُ المُشمَّس بشروطه |
| خلافُ الأَولى | ماءُ زمزم في إزالة النجاسة |
| مُبَاح | ما لم يُطلَب استعمالُه ولا تَركُه |
٧ — قارِنْ ولا تَخلِطْ
| المسألة | الأوَّل | الثاني |
|---|---|---|
| الطَّهور / الطاهر | طاهرٌ في نفسه ومُطهِّرٌ لغيره | طاهرٌ في نفسه غيرُ مُطهِّرٍ |
| الماءُ المُطلَق / مُطلَقُ الماء | الطَّهورُ وحده، الباقي على أصل خِلقته | جنسُ الماء: طَهورٌ وطاهرٌ ونَجِسٌ |
| المُخالِط / المُجاوِر | يَذوب فيه فيَسلُب الطَّهوريَّةَ | يُلاصِقه فلا يَسلُبها ولو كثُر التغيُّرُ |
| تغيُّرٌ حِسِّيٌّ / تقديريٌّ | يُدرَك بالبصر والشَّمِّ والذوق | يُقدَّر بطعم الرمَّان ولون العنب وريح اللَّاذَن |
| طهارةٌ عَينيَّةٌ / حُكميَّةٌ | لم تتجاوز محلَّ النجاسة ← غَسلُ محلِّها | جاوزت المحلَّ ← وضوءٌ أو غُسلٌ |
| «حلَّت» / «بمُلاقاة» | تعبيرُ المتن: دخلت في الماء | الأدقُّ: مجرَّدُ الملاقاة ولو من جانبه |
| فَضْلُ الماء / الماءُ المستعمَل | الباقي في الإناء — طَهورٌ | ما انفصل عن العضو — طاهرٌ غيرُ مُطهِّرٍ |
| وُرودُ الماء / وُرودُ النجاسة | الماءُ يَدفعها فيَطهُر المحلُّ | النجاسةُ تُنجِّس الماءَ القليلَ |
| الثَّلْج / البَرَد | ينزل مائعًا فيَجمُد | ينزل جامدًا فيَنماع |
| المَطْوِيّ / الثَّمَد | بئرٌ مبنيٌّ حولها | بئرٌ بلا بناءٍ |
٨ — أعدادٌ تُحفَظ
٩ — سُلَّمُ المراجعة قبل الامتحان
- الفقه بقيوده الستة
- الطهارة لغةً وشرعًا (تعريفُ الكتاب)
- المختصر، الاجتهاد، الاختيار، الاستطراد، المسألة
- المياه السبع والأقسام الأربعة
- شروط المشمَّس والمستعمَل
- المعفوُّ عنها وأحكام الماء
- البحر: «هو الطَّهورُ ماؤه»
- البئر: «الماءُ طَهورٌ لا يُنجِّسه شيءٌ»
- الثلج والبَرَد: دعاءُ الاستفتاح
- القُلَّتان: «إذا بلغ الماءُ قُلَّتين لم يَحمِلِ الخَبَثَ»
- الذُّباب: «فليَغمِسْه ثم ليَرفَعْه»
- وُرودُ الماء على النجاسة
- المجاوِرُ لا يَسلُب الطَّهوريَّة
- اليقينُ لا يزول بالشكِّ
- العبرةُ بالجنس لا بالنوع
- الامتحانُ على المتن والشرح لا على الزيادات
⇦مُخطَّطُ «ما فارَقَ الحياةَ»
المُخطَّطُ الرئيسيُّ — الطاهرُ والنَّجِسُ ممَّا فارَقَ الحياة
المُخطَّطُ الفرعيُّ — متى يكون مُذكًّى ومتى يكون مَيْتًا؟
| العَين | الحكم | هل يُطهِّره الدِّباغ؟ |
|---|---|---|
| جِلدُ المُذكَّى وعَظمُه وشَعرُه | طاهر | لا يحتاج |
| مَيتةُ الآدميِّ: جِلدُه وعَظمُه وشَعرُه | طاهر | لا يحتاج |
| جِلدُ مَيتةِ ما سوى الكلب والخنزير | نَجِس | نعم، يَطهُر بالدِّباغ |
| عَظمُ تلك المَيتة وشَعرُها | نَجِس | لا، ولا بغيره |
| الكلبُ والخنزيرُ وما تولَّد منهما | نَجِس | لا |
✍️ أسئلة على المخطَّط
١. متى يكون الحيوانُ مُذكًّى ومتى يكون مَيْتًا؟
٢. ما حكمُ جِلدِ المَيتة وعَظمِها وشَعرِها؟